مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

قوله تعالى : { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } . اعلم أن في الآية سؤالات :

السؤال الأول : الجانب موصوف ، والغربي صفة ، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة ؟ الجواب : هذه مسألة خلافية بين النحويين ، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره ، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقا . حجة البصريين ، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه ، وهذا غير جائز فذاك أيضا غير جائز ، بيان الملازمة أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف ، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة ، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت له الظرافة هو زيد ، إذا ثبت هذا ، فلو أضفت زيدا إلى الظريف ، كنت قد أضفت زيدا إلى زيد ، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة ، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز ، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ ، وهي قوله تعالى في هذه الآية : { وما كنت بجانب الغربي } وقوله : { وذلك دين القيمة } وقوله : { حق اليقين } { ولدار الآخرة } ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء ، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء ، ثم قالوا في هذه المواضع : المضاف إليه ليس هو النعت ، بل المنعوت ، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فههنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت ، حسن ذلك وإلا فلا ، ألا ترى أنه ليس لك أن تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد ، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت بالرجل الفقيه ، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون درهما وقد يكون غيره ، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي ، لأن الشيء الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكانا أو ما يشبهه ، فلا جرم حسنت هذه الإضافة ، وكذا القول في البواقي ، والله أعلم .

السؤال الثاني : ما معنى قوله : { إذ قضينا إلى موسى الأمر } ؟ الجواب : الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب ، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور ، وكتب الله في الألواح والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام ، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الموحى إليه ، وهي لأن الشاهد لابد وأن يكون حاضرا وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات .

السؤال الثالث : لما قال { وما كنت بجانب الغربي } ثبت أنه لم يكن شاهدا ، لأن الشاهد لابد أن يكون حاضرا ، فما الفائدة في إعادة قوله : { وما كنت من الشاهدين } ؟ الجواب : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك ، ولا يشهد ولا يرى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } شروع في بيان أن إنزال القرآن الكريم أيضاً واقع زمان مساس الحاجة إليه واقتضاء الحكمة له البتة متضمناً تحقيق كونه وحياً صادقاً من عند الله تعالى ببيان أن الوقوف على ما فصل من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث انتفى كلاهما تبين أنه بوحي من علام الغيوب لا محالة كذا قيل : ولا يخفى أن تعين كونه بوحي لا يتم إلا بنفي كونه بالاستفاضة وكونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب المعاصرين له صلى الله عليه وسلم كما قال المشركون : { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } [ النحل : 103 ] ولعله إنما لم يتعرض لنفي ذلك وتعرض لنفي ما هو أظهر انتفاء منه للإشارة إلى ظهور انتفاء ذلك والمبالغة في دعوى ذلك حيث آذن بأن المحتاج إلى الإخبار بانتفائه ذانك الأمران دونه على أنه عز وجل قد نفى في موضع آخر كونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب ولعله يعلم منه انتفاء كونه بالاستفاضة وإن قلنا : إنه لا يعلم فدليله ظاهر جداً ، ولذا لم يتشبث بكون الوقوف بها أحد من المشركين فتدبر ، والمعنى على ما ذهب إليه بعضهم وما كنت حاضراً بجانب الجبل الغربي أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات وأعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى عليه السلام ، والكلام على هذا من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وهو عند قوم من باب إضافة الموصوف إلى الصفة التي جوزها الكوفيون كما في «مسجد الجامع » ، والأصل في الجانب الغربي فيتحد الجانب والغربي على هذا الوجه وهو بعض من الغربي على الوجه الأول .

{ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر } أي عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة .

{ وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين } أي من جملة الحاضرين للوحي إليه أو الشاهدين على الوحي إليه عليه السلام وهم السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتخبر به الناس ، فالشاهد من الشهادة إما بمعنى الحضور أو بمعناها المعروف واستشكل إرادة المعنى الأول بلزوم التكرار فإنه قد نفى الحضور أولاً في قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي } وكذا إرادة المعنى الثاني يلزم نحو ذلك لما أن نفي الحضور يستدعي نفي كونه من الشاهدين بذلك المعنى ، ومن هنا قيل : المراد من الأول نفي كونه صلى الله عليه وسلم حاضراً بنفسه لغرض من الأغراض ، ومن الثاني نفي كونه عليه الصلاة والسلام من جماعة جيء بهم ليحضروا فيطلعوا على ما يقع هناك لموسى عليه السلام لأن المراد بالشاهدين جماعة معهودون كان حالهم ذلك .

وقيل : المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام فقد جاء الشاهد اسماً للملك كما في «القاموس » فكأنه قيل : ما كنت حاضراً بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى أمر نبوته بالوحي وما كنت من الملائكة الذين ينزلون ويصعدون بأمر الله تعالى ووحيه إلى أنبيائه عليهم السلام ولهم من الإطلاع على الحوادث ما ليس لغيرهم من البشر حتى يكون لك علم بما وقع لموسى عليه السلام فتخبر به الناس .

وقال ابن عباس كما في «التفسير الكبير والبحر » : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت لما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى ، وقيل : وهو مختار أبي حيان إن المعنى وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به فهو نفي لشهادته عليه الصلاة والسلام جميع ما جرى لموسى عليه السلام فكان عموماً بعد خصوص ، وقيل : المراد وما كنت من الشاهدين ذلك الزمان فيكون نفياً لحضوره ومشاهدته ذلك الزمان أعم من أن يكون بجانب الغربي أو بغيره ، وحاصله نفي الوجود العيني إذ ذاك فيكون ترقياً في النفي .

وقيل : المراد { وَمَا كُنْتَ } إذ ذاك منتظماً في سلك من يتصف بالشهادة وهم الموجودون بالوجود العيني أينما كانوا ومآله كمآل ما قبله وإن اختلفا في طريق الإرادة وتعين كون الشهادة فيما قبله بمعنى الحضور .

ولعل ما قبله أظهر منه بل إذا ادعى مدع كونه أظهر من جميع ما قيل لم يبعد هذا ولا يخفى عليك حال تلك الأقوال وما فيها من اليل . والقال ، وفي القلب من صحة نسبة ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إليه ما فيه فتدبر جميع ذاك ، والله تعالى يتولى هداك .