مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (45)

قوله تعالى : { ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين }

ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح ، وهو الجزاء الذي يجازيه به الله والملك إذا كان كبيرا كريما ، ووعد عبدا من عباده بأني أجازيك يصل إليه منه أكثر مما يتوقعه ثم أكده بقوله : { من فضله } يعني أنا المجازي فكيف يكون الجزاء ، ثم إني لا أجازيك من العدل وإنما أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء ، ثم قال تعالى : { إنه لا يحب الكافرين } أوعدهم بوعيد ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه كالتفصيل ، فإن عدم المحبة من الله غاية العذاب ، وأفهم ذلك ممن يكون له معشوق فإنه إذا أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير كيف تكون مسرته ، وإذا قيل له إنه قال إني أحب فلانا كيف يكون سروره .

وفيه لطيفة وهي أن الله عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال : { من كفر فعليه كفره } وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال : { ليجزي الذين آمنوا } ثم قال تعالى : { إنه لا يحب الكافرين } لأن قوله { من كفر } في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله : { من عمل صالحا } لتحريض المؤمن فالنهي كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم ، وأما عندما ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهارا للكرم والرحمة ، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن الله كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الإثابة ، فنقول إن كان الله يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه ، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة ، وما ذكر على خلافه لا يكون في درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالا وهو قوله تعالى : { يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } قدم المؤمن على الكافر ، وههنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله : { يومئذ يصدعون } أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك أيضا قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل : { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } فذكر الكافر وإبلاسه ، ثم قال تعالى : { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فكان ذكر المؤمن وحده لا بد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله : { يبلس المجرمون } وقوله في حق المؤمن : { في روضة يحبرون } لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى للتفصيل فقال : { وأما الذين كفروا } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (45)

{ لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ } فإنه علة ليمهدون وأقيم فيه الموصول مقام الضمير تعليلاً للجزاء لما أن الموصول في معنى المشتق والتعليق به يفيد علية مبدأ الاشتقاق ، وذكر { مِن فَضْلِهِ } للدلالة على أن الإثابة تفضل محض ؛ وتأويله بالعطاء أو الزيادة على ما يستحق من الثواب عدول عن الظاهر ، وجوز أن يكون ذلك علة ليصدعون والاقتصار على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء بفحوى قوله تعالى : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } فإن عدم المحبة كناية عن البغض في العرف وهو يقتضي الجزاء بموجبه فكأنه قيل : وليعاقب الكافرين . وفي «الكشاف » أن تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده تعالى إلا المؤمن الصالح ، وقوله تعالى : { أَنَّهُ } الخ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس ويعني بذلك كل كلامين يقرر الأول الثاني وبالعكس سواء كان صريحاً وإشارة أو مفهوماً ومنطوقاً وذلك كقول ابن هانئ :

فما جازه جود ولا حل دونه *** ولكن يصير الجود حيث يصير

وبيانه فيما نحن فيه أن قوله تعالى : { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } يدل بمنطوقه على ما قرر على اختصاصهم بالجزاء التكريمي وبمفهومه على أنهم أهل الولاية والزلفى ، وقوله سبحانه : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } لتعليل الاختصاص يدل بمنطوقه على أن عدم المحبة يقتضي حرمانهم وبمفهومه على أن الجزاء لأضدادهم موفر فهو جل وعلا محب للمؤمنين ، وذكر العلامة الطيبي الظاهر أن قوله تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم } [ الروم : 3 4 ] الآية بتمامها كالمورد للسؤال والخطاب لكل أحد من المكلفين وقوله تعالى : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } [ الروم : 44 ] الآية وارد على الاستئناف منطو على الجواب فكأنه لما قيل : أقيموا على الدين القيم قبل مجيء يوم يتفرقون فيه فقيل : ما للمقيمين على الدين وما على المنحرفين عنه وكيف يتفرقون ؟ فأجيب من كفر فعليه كفره الآية ، وأما قوله سبحانه : { لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ } الآية فينبغي أن يكون تعليلاً للكل ليفصل ما يترتب على ما لهم وعليهم لكن يتعلق بيمهدون وحده لشدة العناية بشأن الإيمان والعمل الصالح وعدم الإعباء بعمل الكافر ولذلك وضع موضعه { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } انتهى فلا تغفل ، وفي الآية لطيفة نبه عليها الإمام قدس سره وهي أن الله عز وجل عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبيد قدم الكافر وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن لأن قوله تعالى : { مَن كَفَرَ } وعيد للمكلف ليمتنع عما يضره لينقذه سبحانه من الشر وقوله تعالى : { وَمَنْ عَمِلَ صالحا } [ الروم : 44 ] تحريض له وترغيب في الخير ليوصله إلى الثواب والإنقاذ مقدم عند الحكيم الرحيم وأما عند الجزاء فابتدأ جل شأنه بالإحسان إظهاراً للكرم والرحمة .

هذا ولما ذكر سبحانه ظهور الفساد والهلاك بسبب المعاصي ذكر ظهور الصلاة ولم يذكر عز وجل أنه بسبب العمل الصالح لأن الكريم يذكر لعقابه سبباً لئلا يتوهم منه الظلم ولا يذكر ذلك لإحسانه فقال عز من قائل :

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 )