مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ} (37)

قوله تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون }

لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي فإن دلالة المكان والزمان مناسبة لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر والزمان لا تستغني عنه الأعراض ، لأن كل عرض فهو في زمان ومثله مذكور في قوله تعالى : { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر } ثم قال بعده : { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } حيث استدل بالزمان والمكان هناك أيضا ، لكن المقصود أولا هناك إثبات الوحدانية بدليل قوله تعالى : { لا تسجدوا للشمس } ثم الحشر بدليل قوله تعالى : { إن الذي أحياها لمحيي الموتى } وههنا المقصود أولا إثبات الحشر لأن السورة فيها ذكر الحشر أكثر ، يدل عليه النظر في السورة ، وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله تعالى فيه : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } إلى غيره وآخر السورتين يبين الأمر ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المكان يدفع عن أهل السنة شبه الفلاسفة ، والزمان يدفع عنهم شبه المشبهة .

أما بيان الأول : فذلك لأن الفلسفي يقول لو كان عدم العالم قبل وجوده لكان عند فرض عدم العالم قبل ، وقبل وبعد لا يتحقق إلا بالزمان ، فقبل العالم زمان والزمان من جملة العالم فيلزم وجود الشيء عند عدمه وهو محال ، فنقول لهم قد وافقتمونا على أن الأمكنة متناهية ، لأن الأبعاد متناهية بالاتفاق ، فإذن فوق السطح الأعلى من العالم يكون عدما وهو موصوف بالفوقية ، وفوق وتحت لا يتحقق إلا بالمكان ففوق العالم مكان والمكان من العالم فيلزم وجود الشيء عند عدمه ، فإن أجابوا بأن فوق السطح الأعلى لا خلا ولا ملا ، نقول قبل وجود العالم لا آن ولا زمان موجود .

أما بيان الثاني : فلأن المشبهي يقول لا يمكن وجود موجود إلا في مكان ، فالله في مكان فنقول فيلزمكم أن تقولوا الله في زمان لأن الوهم كما لا يمكنه أن يقول هو موجود ولا مكان لا يمكنه أن يقول هو كان موجودا ولا زمان وكل زمان فهو حادث وقد أجمعنا على أن الله تعالى قديم .

المسألة الثانية : لو قال قائل إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فلم اختار الليل حيث قال : { وآية لهم الليل } ؟ نقول لما استدل بالمكان الذي هو المظلم وهو الأرض وقال : { وآية لهم الأرض } استدل بالزمان الذي فيه الظلمة وهو الليل ووجه آخر : وهو أن الليل فيه سكون الناس وهدوء الأصوات وفيه النوم وهو كالموت ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض : { وآية لهم الأرض الميتة } فذكر من الزمانين أشبههما بالموت كما ذكر من المكانين أشبههما بالموت .

المسألة الثالثة : ما معنى سلخ النهار من الليل ؟ نقول معناه تمييزه منه يقال انسلخ النهار من الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل وسلخه الله منه فانسلخ هو منه ، وأما إذا استعمل بغير كلمة من فقيل سلخت النهار أو الشمس فمعناه دخلت في آخره ، فإن قيل فالليل في نفسه آية فأية حاجة إلى قوله : { نسلخ منه النهار } ؟ نقول الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ، ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها ، وقوله : { فإذا هم مظلمون } أي داخلون في الظلام ، وإذا للمفاجأة أي ليس بيدها بعد ذلك أمر ولا بد لهم من الدخول فيه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ} (37)

{ وَءايَةٌ لَّهُمُ الليل } بيان لقدرته تعالى الباهرة في الزمان بعدما بينها سبحانه في المكان ، و { ءايَةً } خبر مقدم و { الليل } مبتدأ مؤخر وقوله تعالى : { نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } استئناف لبيان كونه آية ، وفي التركيب احتمالات أخر تعلم مما مر إلا أن الأرجح ما ذكر أي نكشف ونزيل الضوء من مكان الليل وموضع إلقاء ظله وظلمته وهو الهواء النهار عبارة عن الضوء إما على التجوز أو على حذف المضاف ، وقوله تعالى : { مِنْهُ } على حذف مضاف وذلك لأن النهار والليل عبارتان عن زمان كون الشمس فوق الأفق وتحته ولا معنى لكشف أحدهما عن الآخر وأصل السلخ كشط الجلد نحو الشاة فاستعير لكشف الضوء عن مكان الليل وملقى ظلمته وظله استعارة تبعية مصرحة والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر فإنه يترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل ، وجوز أن يكون في النهار استعارة مكنية وفي السلخ استعارة تخييلية والجمهور على ما ذكرنا ومن ابتدائية ، وقيل : تبعيضية وجعلها سببية ليس بشيء ، وهذا التفسير محكي عن الفراء ونحوه تفسير السلخ بالنزع ، واستعمال الفاء في قوله تعالى : { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } أي داخلون في الظلام كما يفيده همزة الأفعال عليه ظاهر ، ووقع في عبارة الشيخ عبد القاهر والإمام السكاكي أن المستعار له في الآية ظهور النهار من ظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلده وذلك على ما قال العلامة الطيبي والفاضل اليمني مأخوذ من قول الزجاج معنى نسلخ منه النهار نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوئه فالظهور في عبارتهما بمعنى الخروج وهو يتعدى بمن فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن .

وقد جاء بهذا المعنى كما في قول عمر لأبي عبيدة رضي الله تعالى عنهما اظهر بمن معك من المسلمين إليها أي الأرض يعني أخرج إلى ظاهرها ، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كان صلى الله عليه وسلم يصلي العصر ولم يظهر الفيء بعد من الحجرة أي لم يخرج إلى ظاهرها فسقط ما أورد عليه من أنه لو أريد الظهور لقيل { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } ولم يقل { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } لأن الواقع عقيب ظهور النهار من ظلمة الليل إنما هو الإبصار لا الأظلام من غير حاجة إلى حمل العبارة على القلب أي ظهور ظلمة الليل من النهار ، وبعضهم رفع هذا الإيراد بأن النهار عبارة عن مجموع المدة من طلوع الفجر أو الشمس إلى الغروب لا عن بعضها فالواقع عقيب هذه المدة كلها الدخول في الظلام . وتعبه السالكوتي بأن الدخول في الظلام مترتب على السلخ لا على انقضاء مدة النهار .

ولعل مراد البعض أن السلخ بمعنى ظهور النهار لا يتحقق إلا بظهور كل أجزائه ومتى ظهرت أجزاء النهار كلها انقضت مدته ، وذكر العلامة القطب أن السلخ قد يكون بمعنى النزع نحو سلختا الأهاب عن الشاة وقد يكون بمعنى الإخراج نحو سلخت الشاة من الأهاب والشاة مسلوخة فذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي إلى الثاني وغيرهما إلى الأول فاستعمال الفاء في { فإذا هم } ظاهر على قول الغير وأما على قولهما فإنما يصح من جهة أنها موضوعة لما يعد في العادة مرتباً غير متراخ وهذا يختلف باختلاف الأمور والعادات فقد يطول الزمان والعادة في مثله تقتضي عدم اعتبار المهلة وقد يكون بالعكس كما في هذه الآية فإن زمان النهار وإن توسط بين إخراج النهار من الليل وبين دخول الظلام لكن لعظم دخول الظلام بعد إضاءة النهار وكونه مما ينبغي أن لا يحصل إلا في أضعاف ذلك الزمان عد الزمان قريباً وجعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة .

ثم لا يخفى أن إذا المفاجأة إنما تصح إذا جعل السلخ بمعنى الإخراج كما يقال : أخرج النهار من الليل ففاجأه دخول الليل فإنه مستقيم بخلاف ما إذا جعل بمعنى النزع فإنه لا يستقيم أن يقال : نزع ضوء الشمس عن الهواء ففاجأه الظلام كما لا يستقيم أن يقال كسرت الكوز ففاجأه الانكسار لأن دخولهم في الظلام عين حصول الظلام فيكون نسبة دخولهم في الظلام إلى نزع ضوء النهار كنسبة الانكسار إلى الكسر فلهذا جعلا السلخ بمعنى الإخراج دون النزع اه كلامه ، وقواه العلامة الثاني بأنه لا شك أن الشيء إنما يكون آية إذا اشتمل على نوع استغراب واستعجاب بحيث يفتقر إلى نوع اقتدار وذلك إنما هو مفاجأة الظلام عقيب ظهور النهار لا عقيب زوال ضوء النهار .

وقال السالكوتي : إن عدم استقامة المفاجأة فيما ذكر لأنها إنما تتصور فيما لا يكون مترقباً بل يحصل بغتة وحينئذ يمكن أن يقال في الجواب : إن نزع الضوء عن الليل لكون ظهوره في غاية الكمال كان المترقب فيه أن يكون في مدة مديدة فحصول الظلال بعده في مدة قصيرة أمر غير مترقب ثم قال وبهذا ظهر الجواب عن التقوية ، وقيل إن الظلمة لكونها مما تنفر عنها الطباع وتركها النفوس يكون حصولها كأنه غير مترتقب ويكفي نفس السلخ في الدلالة على الاقتدار ، والذي يقتضيه ما سبق عن الطيبي واليمني أن الشيخ والسكاكي أرادا إخراج النهار من الليل إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوئه كما قال الزجاج ، ومآله إزالة ضوء النهار من مكان الليل وموضع ظلمته كما قال الفراء ، وجاء في كلامهم الظهور بمعنى الزوال كما في قول أبي ذؤيب :

وعيرها الواشون أنى أحبها *** وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

وحكى الجوهري . يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل . وقال المرزوقي في قول الحماسي :

وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر *** أيضاً كذلك فلا مانع من أن يكون في كلام الشيخين بهذا المعنى ويراد بالظهور الإظهار ، والتعبير به مساهلة لظهور أن نسلخ متعد فيرجع الأمر إلى الإزالة فيتحد كلامهما بما قاله الفراء وكذا على ما قيل المراد بالظهور الخروج على وجه المفارقة لظهور الزوال فيه حينئذ وأمر المساهلة على حاله ، وعلى القول بالاتحاد يجيء اعتراض العلامة والجواب هو الجواب فتأمل والله تعالى الهادي إلى الصواب .

وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة والنور طارئ عليها يسترها بضوئه وفي الحديث ما يشعر بذلك أيضاً ، روى الإمام أحمد . والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نور اهتدى ومن أخطأه ضل . »