وكذلك الواو في قوله تعالى : { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون }
كأنه يقول : وأقول أيضا آية لهم الأرض الميتة وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما وجه تعلق هذا بما قبله ؟ نقول مناسب لما قبله من وجهين أحدهما : أنه لما قال : { وإن كل لما جميع } كان ذلك إشارة إلى الحشر ، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم ، فقال : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها كذلك نحيي الموتى وثانيهما : أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم التوحيد ذكر ما يدل عليه ، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون .
المسألة الثانية : الأرض آية مطلقا فلم خصصها بهم حيث قال : { وآية لهم } نقول : الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه ، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له دليل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء ، فليست الأرض معرفة لهم ، وهذا كما قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } وقال : { أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } يعني أنت كفاك ربك معرفا ، به عرفت كل شيء فهو شهيد لك على كل شيء ، وأما هؤلاء تبين لهم الحق بالآفاق والأنفس ، وكذلك ههنا آية لهم .
المسألة الثالثة : إن قلنا إن الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء الموتى فيكفي قوله : { أحييناها } ولا حاجة إلى قوله : { وأخرجنا منها حبا } وغير ذلك ، وإن قلنا إنها للاستدلال على وجود الإله ووحدته فلا فائدة في قوله : { الأرض الميتة أحييناها } لأن نفس الأرض دليل ظاهر وبرهان باهر ، ثم هب أنها غير كافية فقوله : { الميتة أحييناها } كاف في التوحيد فما فائدة قوله : { وأخرجنا منها حبا } نقول مذكورة للاستدلال عليها ولكل ما ذكره الله تعالى فائدة . أما قوله : { وأخرجنا منها حبا } فله فائدة بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى ، وذلك لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حبا كان ذلك إحياء تاما لأن الأرض المخضرة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحب دون ما تنبته في الحياة ، فكأنه قال تعالى الذي أحيا الأرض إحياء كاملا منبتا للزرع يحيي الموتى إحياء كاملا بحيث تدرك الأمور ، وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تعديد النعم كأنه يقول آية لهم الأرض فإنها مكانهم ومهدهم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بد لهم منها فهي نعمة ثم إحياؤها بحيث تخضر نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه ، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم يصير في مكانهم ، وكان يمكن أن يجعل الله رزقهم في السماء أو في الهواء فلا يحصل لهم الوثوق ، ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة ، وأما الأشجار بحيث تؤخذ منها الثمار فتكون بعد الحب وجودا ، ثم فجرنا فيها العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر وبالنسبة إلى بيان إحياء الموتى كل ذلك مفيد وذلك لأن قوله : { وأخرجنا منها حبا } كالإشارة إلى الأمر الضروري الذي لا بد منه
{ وَءايَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة } بالتخفيف وقرأ نافع بالتشديد ، و { ءايَةً } خبر مقدم للاهتمام وتنكيرها للتفخيم و { لَهُمْ } إما متعلق بها لأنها بمعنى العلامة أو متعلق بمضمر هو صفة لها وضمير الجمع لكفار أهل مكة ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر ، و { الارض } مبتدأ و { الميتة } صفتها ، وقوله تعالى : { أحييناها } استئناف مبين لكيفية كونها آية ، وقيل في موضع الحال والعامل فيها آية لما فيها من معنى الاعلام وهو تكلف ركيك ، وقيل { ءايَةً } مبتدأ أول و { لَهُمْ } صفتها أو متعلق بها وكل من الأمرين مسوغ للابتداء بالنكرة و { الارض الميتة } مبتدأ ثان وصفة وجملة { أحييناها } خبر المبتدأ الثاني وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول ولكونها عين المبتدأ كخبر ضمير الشأن لم تحتج لرابط ، قال الخفاجي : وهذا حسن جداً إلا أن النحاة لم يصرحوا به في غير ضمير الشأن ، وقيل إنها مؤولة بمدلول هذا القول فلذا لم يحتج لذلك ولا يخفى بعده ، وقيل { ءايَةً } مبتدأ و { الارض } خبره وجملة { أحييناها } صفة الأرض لأنها لم يرد بها أرض معينة بل الجنس فلا يلزم توصيف المعرفة بالجملة التي هي في حكم النكرة ، ونظير ذلك قوله
: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وأنكر جواز ذلك أبو حيان مخالفاً للزمخشري . وابن مالك في التسهيل وجعل جملة يسبني حالاً من اللئيم ، وأنت تعلم أن المعنى على استمرار مروره على من يسبه وإغماضه عنه ولهذا قال : أمر وعطف عليه فمضيت والتقييد بالحال لا يؤذي هذا المؤدي ، ثم إن مدار الخبرية إرادة الجنس فليس هناك أخبار بالمعرفة عن النكرة ليكون مخالفاً للقواعد كما قيل نعم أرجح الأوجه ما قرر أولاً وقد مر المراد بموت الأرض وأحيائها فتذكر .
{ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } أي جنس الحب من الحنطة والشعير والأرز وغيرها ، والنكرة قد تعم كما إذا كانت في سياق الامتنان أو نحوه ، وفي ذكر الإخراج وكذا الجعل الآتي تنبيه على كمال الإحياء { فَمِنْهُ } أي من الحب بعد إخراجنا إياه ، والفاء داخلة على المسبب ومن ابتدائية أو تبعيضية والجار والمجرور متعالق بقوله تعالى { يَأْكُلُونَ } والتقديم للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به لما في ذلك من إيهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.