مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ} (81)

قوله تعالى : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ، وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ( هذا ) إشارة إلى ماذا ؟ فنقول : المشهور أنه إشارة إلى القرآن وإطلاق الحديث في القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه اسما لا وصفا فإن الحديث اسم لما يتحدث به ، ووصف يوصف به ما يتجدد ، فيقال : أمر حادث ورسم حديث أي جديد ، ويقال : أعجبني حديث فلان وكلامه وقد بينا أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد ، والحديث الذي لم يسمع ( الوجه الثاني ) أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى : { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ، أو آباؤنا الأولون } وذلك لأن الكلام مستقل منتظم فإنه تعالى رد عليهم ذلك بقوله تعالى : { قل إن الأولين والآخرين } وذكر الدليل عليهم بقوله : { نحن خلقناكم } وبقوله : { أفرأيتم ما تمنون ، أفرأيتم ما تحرثون } وأقسم بعد إقامة الدلائل بقوله : { فلا أقسم } وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله : { إنه لقرآن } ثم عاد إلى كلامهم ، وقال : { أفبهذا الحديث } الذي تتحدثون به { أنتم مدهنون } لأصحابكم تعلمون خلافه وتقولونه ، أم أنتم به جازمون ، وعلى الإصرار عازمون ، وسنبين وجهه بتفسير المدهن ، وفيه وجهان ( أحدهما ) أن المدهن المراد به المكذب قال الزجاج : معناه أفبالقرآن أنتم تكذبون ، والتحقيق فيه أن الإدهان تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو إذا عجز عن عدوه يقول له أنا داع لك ومثن عليك مداهنة وهو كاذب ، فصار استعمال المدهن في المكذب استعمالا ثانيا وهذا إذا قلنا : إن الحديث هو القرآن ( والوجه الثاني ) المدهن هو الذي يلين في الكلام ويوافق باللسان وهو مصر على الخلاف فقال : { أنتم مدهنون } فمنهم من يقول : إن النبي كاذب ، وإن الحشر محال وذلك لما هم عليه من حب الرياسة ، وتخافون أنكم إن صدقتم ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الرسل ، والأول عليه أكثر المفسرين ، لكن الثاني مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى وهو عبارة عن قولهم : { أئنا لمبعوثون } والمدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا مدهنين بالقرآن ، وقول الزجاج : مكذبون جاء بعده صريحا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ} (81)

{ أفبهذا الحديث } أي أتعرضون فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله والإيمان بما تضمنه وأرشد إليه وهو القرآن الكريم { أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به ، وأصل الإدهان كما قيل : جعل الأديم ونحوه مدهوناً بشيء من الدهن ولما كان ذلك مليناً ليناً محسوساً يراد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له ، ولذا سميت المداراة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية ، ولذا تجوز به هنا عن التهاون أيضاً لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه ، وعن ابن عباس . والزجاج { مُّدْهِنُونَ } أي مكذبون ، وتفسيره بذلك لأن التكذيب من فروع التهاون .

وعن مجاهد أي منافقون في التصديق به تقولون للمؤمنين آمنا به وإذا خلوتم إلى إخوانكم قلتم إنا معكم والخطاب عليه للمنافقين وما قدمناه أولى ، والخطاب عليه للكفار كما يقتضيه السياق .

وجوز أن يراد بهذا الحديث ما تحدثوا به من قبل في قوله سبحانه : { وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءابَاؤُنَا الاولون } [ الواقعة : 47 ، 48 ] فالكلام عود إلى ذلك بعد رده كأنه قيل : أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به في إنكار البعث أنتم مدهنون أصحابكم أي تعلمون خلافه وتقولونه مداهنة أم أنتم به جاذمون وعلى الإصرار عليه عازمون ، ولا يخفى بعده ، وفيه مخالفة لسبب النزول وستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى .