مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ} (95)

قوله تعالى : { إن هذا لهو اليقين ، فسبح باسم ربك العظيم } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : { هذا } إشارة إلى ماذا ؟ نقول : فيه وجوه ( أحدها ) القرآن ( ثانيها ) ما ذكره في السورة ( ثالثها ) جزاء الأزواج الثلاثة .

المسألة الثانية : كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد ؟ نقول : فيه وجوه ( أحدها ) هذه الإضافة ، كما أضاف الجانب إلى الغربي في قوله : { وما كنت بجانب الغربي } وأضاف الدار إلى الآخرة في قوله : { ولدار الآخرة } غير أن المقدر هنا غير ظاهر ، فإن شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين ، ويضاف إليه الحق ، وما يوصف باليقين بعد إضافة الحق إليه ( وثانيها ) أنه من الإضافة التي بمعنى من ، كما يقال : باب من ساج ، وباب ساج ، وخاتم من فضة ، وخاتم فضة ، فكأنه قال : لهو الحق من اليقين ( ثالثها ) وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد يقال : هذا من حق الحق ، وصواب الصواب ، أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه ، والذي وقع في تقرير هذا أن الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحس ، وتلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول : وجدت أمر كذا ، ثم إنه مع صحة إطلاق اللفظ عليه لا يتميز عن غيره ، فيتوسط الطالب ويأخذ مطلوبه من وسطه ، مثاله من يطلب الماء ، ثم يصل إلى بركة عظيمة ، فإذا أخذ من طرفه شيئا يقول : هو ماء ، وربما يقول قائل آخر : هذا ليس بماء ، وإنما هو طين ، وأما الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالذي في طرف البركة ماء بالنسبة إلى أجسام أخرى ، ثم إذا نسب إلى الماء الصافي ربما يقال له شيء آخر ، فإذا قال : هذا هو الماء حقا قد أكد ، وله أن يقول : حق الماء ، أي الماء حقا هذا بحيث لا يقول أحد فيه شيء ، فكذلك هاهنا كأنه قال : هذا هو اليقين حقا لا اليقين الذي يقول بعض إنه ليس بيقين ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقال : الإضافة على حقيقتها ، ومعناه أن هذا القول لك يا محمد وللمؤمنين ، وحق اليقين أن تقول كذا ، ويقرب من هذا ما يقال : حق الكمال أن يصلي المؤمن ، وهذا كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » أن الضمير راجع إلى الكلمة أي إلا بحق الكلمة ، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة ، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قاله الله تعالى في الواقعة في حق الأزواج الثلاثة ، وعلى هذا معناه : أن اليقين لا يحق ولا يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق ، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ} (95)

{ إِنَّ هَذَا } أي الذي ذكر في السورة الكريمة كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { لَهُوَ حَقُّ اليقين } اليقين على ما يفهم من كلام الزمخشري في الجاثية اسم للعلم الذي زال عنه اللبس وبذلك صرح صاحب المطلع وذكر أنه تفسير بحسب المعنى وهو مأخوذ من المقام وإلا فهو العلم المتيقن مطلقاً والإضافة بمعنى اللام والمعنى لهو عين اليقين فهو على نحو عين الشيء ونفسه ولا يخفى أن الإضافة من إضافة العام إلى الخاص وكونها بمعنى اللام قول لبعضهم ، وقال بعض آخر : إنها بيانية على معنى من ، وقدر بعضهم هنا موصوفاً أي لهو حق الخبر اليقين وكونه لا يناسب المقام غير متوجه ، وفي «البحر » قيل : إن الإضافة من إضافة المترادفين على سبيل المبالغة كما تقول هذا يقين اليقين وصواب الصواب بمعنى أنه نهاية في ذلك فهما بمعنى أضيف أحدهما إلى الآخر للمبالغة وفيه نظر .

ومما قاله السادة أرباب الإشارة : متعلقاً ببعض هذه السورة الكريمة : ولهم في اليقين . وعين اليقين . وحق اليقين عبارات شتى ، منها اليقين رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان ، وقيل : مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الاسرار بمحافظة الأفكار ، وقيل : طمأنينة القلب على حقيقة الشيء من يقن الماء في الحوض إذا استقر ، وحق اليقين فناء العبد في الحق والبقاء به علماً وشهوداً وحالاً لا علماً فقط فعلم كل عاقل الموت علم اليقين فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين ، وإذا ذاق الموت فهو حق اليقين ، وقيل : علم اليقين ظاهر الشريعة ، وعين اليقين الإخلاص فيها ، وحق اليقين المشاهدة فيها ، { وَقِيلَ وَقِيلَ } ونحن نسأل الله تعالى الهداية إلى أقوم سبيل ، وأن يشرح صدورنا بأنوار علوم كتابه الكريم الجليل . وهو سبحانه حسبنا في الدارين ونعم الوكيل