مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

قوله تعالى : { متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } وفيه مسائل :

المسألة ( الأولى ) : ما الحكمة في تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم في هذا الموضع مع أنه تعالى قدم ذكر اتكائهم على ذكر نسائهم في الجنتين المتقدمتين حيث قال : { متكئين على فرش } ثم قال : { قاصرات الطرف } وقال هاهنا : { فيهن خيرات حسان } ثم قال : { متكئين } ؟ والجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) : أن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم منعمون دائما لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستفيض وعند قضاء وطره يستعمل الاغتسال والانتشار في الأرض للكسب ، ومنهم من يكون مترددا في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ويريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازما قبل قضاء الوطر أو بعده فالله تعالى قال في بيان أهل الجنة : متكئين قبل الاجتماع بأهلهم وبعد الاجتماع كذلك ، ليعلم أنهم دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع ولا بعد الاجتماع ( وثانيهما ) : هو أنا بينا في الوجهين المتقدمين أن الجنتين المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا والمتأخرين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم ، فهم فيهما وأهلهم في الخيام منتظرات قدوم أزواجهن ، فإذا دخل المؤمن جنته التي هي سكناه يتكئ على الفرش وتنتقل إليه أزواجه الحسان ، فكونهن في الجنتين المتقدمتين بعد اتكائهم على الفرش ، وأما كونهم في الجنتين المتأخرتين فذلك حاصل في يومنا ، واتكاء المؤمن غير حاصل في يومنا ، فقدم ذكر كونهن فيهن هنا وأخره هناك . و { متكئين } حال والعامل فيه ما دل عليه قوله : { لم يطمثهن إنس قبلهم } وذلك في قوة الاستثناء كأنه قال : لم يطمثهن إلا المؤمنون فإنهم يطمثوهن متكئين وما ذكرنا من قبل في قوله تعالى : { متكئين على فرش } يقال هنا .

المسألة الثانية : الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من نضارته فيكون مناسبا لقوله تعالى : { مدهامتان } ويكون التقدير أنهم متكئون على الرياض والثياب العبقرية ، وإما أن يكون من رفرفة الطائر ، وهي حومة في الهواء حول ما يريد النزول عليه فيكون المعنى أنهم على بسط مرفوعة كما قال تعالى : { وفرش مرفوعة } وهذا يدل على أن قوله تعالى : { ومن دونهما جنتان } أنهما دونهما في المكان حيث رفعت فرشهم ، وقوله تعالى : { خضر } صيغة جمع فالرفرف يكون جمعا لكونه اسم جنس ويكون واحده رفرفة كحنظلة وحنظل والجمع في متكئين يدل عليه فإنه لما قال : { متكئين } دل على أنهم على رفارف .

المسألة الثالثة : ما الفرق بين الفرش والرفرف حيث لم يقل : رفارف اكتفاء بما يدل عليه قوله : { متكئين } وقال : { فرش } ولم يكتف بما يدل عليه ذلك ؟ نقول : جمع الرباعي أثقل من جمع الثلاثي ، ولهذا لم يجيء للجمع في الرباعي إلا مثال واحد وأمثلة الجمع في الثلاثي كثيرة وقد قرئ :على رفارف خضر ، ورفارف خضار وعباقر .

المسألة الرابعة : إذ قلنا : إن الرفرف هي البسط فما الفائدة في الخضر حيث وصف تعالى ثياب الجنة بكونها خضرا قال تعالى : { ثياب سندس خضر } ؟ نقول : ميل الناس إلى اللون الأخضر في الدنيا أكثر ، وسبب الميل إليه هو أن الألوان التي يظن أنها أصول الألوان سبعة وهي الشفاف وهو الذي لا يمنع نفوذ البصر فيه ولا يحجب ما وراءه كالزجاج والماء الصافي وغيرهما ثم الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم الأسود والأظهر أن الألوان الأصلية ثلاثة الأبيض والأسود وبينهما غاية الخلاف والأحمر متوسط بين الأبيض والأسود فإن الدم خلق على اللون المتوسط ، فإن لم تكن الصحة على ما ينبغي فإن كان لفرط البرودة فيه كان أبيض وإن كان لفرط الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الأخر فالأبيض إذا امتزج بالأحمر حصل الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم وغيره من الأشياء الحمر وإذا امتزج الأبيض بالأسود حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط الجص المدقوق بالفحم وإذا امتزج الأحمر بالأسود حصل الأزرق أيضا لكنه إلى السواد أميل ، وإذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفر والأزرق وقد علم أن الأصفر من الأبيض والأحمر والأزرق من الأبيض والأسود والأحمر والأسود فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه لكونه مشتملا على الألوان الأصلية وهذا بعيد جدا والأقرب أن الأبيض يفرق البصر ولهذا لا يقدر الإنسان على إدامة النظر في الأرض عند كونها مستورة بالثلج وإنه يورث الجهر والنظر إلى الأشياء السود يجمع البصر ولهذا كره الإنسان النظر إليه وإلى الأشياء الحمر كالدم والأخضر لما اجتمع فيه الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض وحصل اللون الممتزج من الأشياء التي في بدن الإنسان وهي الأحمر والأبيض والأصفر والأسود ولما كان ميل النفس في الدنيا إلى الأخضر ذكر الله تعالى في الآخرة ما هو على مقتضى طبعه في الدنيا .

المسألة الخامسة : العبقري منسوب إلى عبقر وهو عند العرب موضع من مواضع الجن فالثياب المعمولة عملا جيدا يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها كأنها ليست من عمل الإنس ، ويستعمل في غير الثياب أيضا حتى يقال للرجل الذي يعمل عملا عجيبا : هو عبقري أي من ذلك البلد قال صلى الله عليه وسلم في المنام الذي رآه : « فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه » واكتفى بذكر اسم الجنس عن الجمع ووصفه بما توصف به الجموع فقال حسان : وذلك لما بينا أن جمع الرباعي يستثقل بعض الاستثقال ، وأما من قرأ : { عباقري } فقد جعل اسم ذلك الموضع عباقر فإن زعم أنه جمعه فقد وهم ، وإن جمع العبقري ثم نسب فقد التزم تكلفا خلاف ما كلف الأدباء التزامه فإنهم في الجمع إذا نسبوا ردوه إلى الواحد وهذا القارىء تكلف في الواحد ورده إلى الجمع ثم نسبه لأن عند العرب ليس في الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع ويقال : عباقر ، فهذا تكلف الجمع فيما لا جمع له ثم نسب إلى ذلك الجمع والأدباء تكره الجمع فيما ينسب لئلا يجمعوا بين الجمع والنسبة .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

76- متكئين على فُرش ذوات أغطية خضر وطنافس حسان عجيبة الصنع .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

متكئين على رفرف وسائد أو نمارق جمع رفرفة وقيل لرفرف ضرب من البسط أو ذيل الخيمة وقد يقال لكل ثوب عريض خضر وعبقري حسان العبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد للجن فينسبون إليه كل شيء عجيب والمراد به الجنس ولذلك جمع حسان حملا على المعنى .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

قوله جل ذكره : { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } .

قيل : رياض الجنة ، وقيل : المجالس ، وقيل : الزرابيّ والوسائد - وهي خُضْرٌ { وعبقري حسان } : العبقري عند العرب كلُّ ثوبٍ مُوَشَّى .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

{ متكئين على رفرف خضر } أي على الوسائد . أو الفرش المرتفعة . أو الرقيق من ثياب الديباج ، ذات اللون السندسي الأخضر . أو على ثياب خضر ، تتخذ منها الستور التي تبسط على وجه الفراش للنوم عليه . واشتقاقه من رف . إذا ارتفع . وهو اسم جمع واحده رفرفة . أو اسم جنس جمعي . { وعبقري حسان } طنافس ، وهي أبسطة لها أهداب رقيقة . أو هو الثياب الموشاة ؛ وكل ثوب وشى فهو عند العرب عبقري . أو هو الديباج الغليظ . والعبقري في الأصل : الكامل من كل شيء . أو الجليل النفيس الفاخر من الرجال وغيرهم ؛ وياؤه كياء كرسي وبختي ، " والمراد الجنس . أو هو اسم جمع ، أو جمع واحدة عبقرية ، ولذا وصف بالحسان .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

رفرف : واحدهُ رفرفة : وهي الوسادة ، المخدة .

عبقري حسان : معناه النادر الموشى من البسُط والفرش ، والعرب تُسنِد كلَّ عملٍ عجيب إلى عبقر .

وهؤلاء المؤمنون مع أزواجهم في غاية السعادة والسرور ، متكئين على فُرشٍ عليها وسائد وأغطية خُضْر وطنافس حسان عجيبة الصنع من صنع وادي عبقر . والعربُ تنسب كل شيء عجيب إلى وادي الجن ، ويكنّون عنه بِعَبْقَرَ .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

وقوله سبحانه : { مُتَّكِئِينَ } قيل : بتقدير يتنعمون متكئين أو أعني متكئين ، والضمير لأهل الجنتين المدلول عليهم بذكرهما { على رَفْرَفٍ } اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة ، وعلى الوجهين يصح وصفه بقوله تعالى : { خُضْرٍ } وجعله بعضهم جمعاً لهذا الوصف ولا يخفى أن أمر الوصفية لا يتوقف على ذلك الجعل ، وفسره في الآية عليّ كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . والضحاك بفضول المحابس وهي ما يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه ، وقال الجوهري : الرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس واشتقاقه من رف إذا ارتفع ، وقال الحسن فيما أخرجه ابن المنذر وغيره عنه هي البسط .

وأخرج عن عاصم الجحدري أنها الوسائد ، وروي ذلك عن الحسن أيضاً . وابن كيسان وقال الجبائي : الفرش المرتفعة ، وقيل : ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب ، وقال الراغب : ضرب من الثياب مشبهة بالرياض ، وأخرج ابن جرير . وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال : الرفرق رياض الجنة ، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس وهو عليه كما في «البحر » من رف النبت نعم وحسن ، ويقال الرفرف لكل ثوب عريض وللرقيق من ثياب الديباج ولأطراف الفسطاط والخباء الواقعة على الأرض دون الأطناب والأوتاد ، وظاهر كلام بعضهم أنه قيل بهذا المعنى هنا وفيه شيء { وَعَبْقَرِىّ } هو منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن فينسبون إليه كل عجيب غريب من الفرش وغيرها فمعناه الشيء العجيب النادر ، ومنه ما جاء في عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه فلم أرى عبقرياً يفري فريه ، ولتناسي تلك النسبة قيل : إنه ليس بمنسوب بل هو مثل كرسي وبختي كما نقل عن قطرب ، والمراد الجنس ولذلك وصف بالجمع وهو قوله تعالى : { حِسَانٌ } حملاً على المعنى ، وقيل : هو اسم جمع أو جمع واحده عبقرية ، وفسره الأكثرون بعتاق الزرابي ، وعن أبي عبيدة هو ما كله وشي من البسط .

وروى غير واحد عن مجاهد أنه الديباج الغليظ ، وعن الحسن أنها بسط فيها صور وقد سمعت ما نقل عنه في الرفرف فلا تغفل عما يقتضيه العطف .

وقرأ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه . ونصر بن عاصم الجحدري . ومالك بن دينار . وابن محيصن . وزهير الفرقبي . وغيرهم رفارف جمع لا ينصرف { حَضرَ } بسكون الضاد ، وعباقري بكسر القاف وفتح الياء مشددة ، وعنهم أيضاً ضم الضاد ، وعنهم أيضاً فتح القاف قاله صاحب اللوامح ، ثم قال أما منع الصرف من عباقري . فلمجاورته لرفارف يعني للمشاكلة وإلا فلا وجه لمنع الصرف مع ياءي النسب إلا في ضرورة الشعر انتهى .

وقال ابن خالويه : قرأ على رفارف خضر وعباقري النبي صلى الله عليه وسلم ، والجحدري .

وابن محيصن ، وقد روي عمن ذكرنا على رفارف خضر وعباقري بالصرف ، وكذلك روي عن مالك بن دينار ، وقرأ أبو محمد . المروزي وكان نحوياً على رفارف خضار بوزن فعال ، وقال صاحب الكامل : قرأ رفارف بالجمع ابن مصرف . وابن مقسم . وابن محيصن ، واختاره شبل . وأبو حيوة . والجحدري . والزعفراني وهو الاختيار لقوله تعالى : { خُضْرٍ } ، وعباقري بالجمع وبكسر القاف من غير تنوين ابن مقسم . وابن محيصن ، وروي عنهما التنوين .

وقال ابن عطية : قرأ زهير القرقبي رفارف بالجمع وترك الصرف ، وأبو طعمة المدني . وعاصم فيما روي عنه رفارف بالصرف . وعثمان رضي الله تعالى عنه كذلك ، وعباقري بالجمع والصرف ، وعنه وعباقري بفتح القاف والياء على أن اسم الموضع عباقر بفتح القاف ، والصحيح فيه عبقر ، وقال الزمخشري : قرئ عباقري كمدايني .

وروى أبو حاتم عباقري بفتح القاف ومنع الصرف وهذا لا وجه لصحته ، وقال الزجاج : هذه القراءة لا مخرج لها لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب فلو جمعت عبقري قلت : عباقرة نحو مهلبى ومهالبة ولا تقول مهالبي .

وقال ابن جني : أما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس ولا يستنكر شذوذه مع استعماله ، وقال ابن هشام : كونه من النسبة إلى الجمع كمدايني باطل فإن من قرأ بذلك قرأ رفارف خضر بقصد المجانسة ولو كان كما ذكر كان مفرداً ولا يصح منع صرفه كمدايني وقد صحت الرواية بمنعه الصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو من باب كرسي وكراسي وهو من صيغة منتهى الجموع لكنها خالفت القياس في زيادة ما بعد الألف على المعروف كما ذكره السهيلي ، وقال صاحب الكشف : فتح القاف لا وجه له بوجه والمذكور في المنتقى عن النبي صلى الله عليه وسلم الكسر .

وأما منع الصرف فليس بمتعين ليرد بل وجهه أنه نصب على محل رفرف على حد يذهبن في نجد وغوراً . وإضافته إلى { حِسَانٌ } مثل إضافة حور إلى { عين } [ الواقعة : 22 ] في قراءة عكرمة كأنه قيل : عباقري مفارش ، أو نمارق حسان فهو من باب أخلاق ثياب لأن أحد الوصفين قائم مقام الموصوف ، ولعل عبقر وعباقر مثل عرفة وعرفات انتهى ، فأحط بجوانب الكلام ولا تغفل ، وقرأ ابن هرمز { خُضْرٍ } بضم الضاد وهي لغة قليلة ومن ذلك قول طرفة

: أيها القينات في مجلسنا *** جرّد ، وا منها وراداً «وشقر »

وقول الآخر

: وما انتميت إلى خود ولا «كشف » *** ولا لئام غداة الروع أو زاع

فشقر جمع أشقر ، وكشف جمع أكشف وهو من ينهزم في الحرب ، هذا والوصف بقوله تعالى : { مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ } الخ دون الوصف بقوله سبحانه : { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } [ الرحمن : 76 ] عند القائل بتفضيل الجنتين السابقتين لما في هذا الوصف من الإشارة إلى أن الظهائر مما يعجز عنها الوصف .

ومن ذهب إلى تفضيل الأخيرتين يقول : الرفرف ما يطرح على ظهر الفراش وليست الفرش التي يطرح عليها الرفرف مذكورة فيجوز أن يكون ترك ذكرها للإشارة إلى عدم إحاطة الوصف بها ظاهرة وبطانة وهو أبلغ من الأول ، ولا يسلم أن تلك الفرش هي العبقري ، أو يقول الرفرف الفرش المرتفعة وترك التعرض لسوى لونها وهو الخضرة التي ميل الطباع إليها أشد وهي جامعة لأصول الألوان الثلاثة على ما بينه الإمام يشير إلى أنها مما لا تكاد تحيط بحقيقتها العبارات ، وقد يقال غير ذلك فتأمل ، وينبغي على القول بتفضيل الأخيرتين وكونهما لطائفة غير الطائفة المشار إليهم بمن خاف أن لا يفسر من خاف بمن له شدة الخوف بحيث يختص بأفضل المؤمنين وأجلهم ، أو يقال إنهما مع الأوليين لمن خاف مقام ربه ويكون المعنى { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } أيضاً { جَنَّتَانِ } صفتهما كيت وكيت من دون تينك الجنتين ، وعليه قيل : { جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 62 ] عطف على { جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] قبله { وَمِن دُونِهِمَا } في موضع الحال ، وذهب بعضهم إلى أن هاتين الجنتين سواء كانتا أفضل من الأوليين أم لا لمن خاف مقام ربه عز وجل فله يوم القيامة أربع جنان .

قال الطبرسي : والأخيرتان دون الأوليين أي أقرب إلى قصره ومجالسه ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة على ما هو معروف من طبع البشر من شهوة مثل ذلك وهو أبعد عن الملل الذي طبع عليه البشر ، وأنت تعلم أن الآية تحتمل ذلك احتمالاً ظاهراً لكن ما تقدم من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه يأباه فإذا صح ولو موقوفاً إذ حكم مثله حكم المرفوع لم يكن لنا العدول عما يقتضيه ، وقد روي عنه أيضاً حديث مرفوع ذكره الجلال السيوطي في «الدر المنثور » يشعر بأن الجنان الأربع هي جنان الفردوس .

وأخرج عنه أحمد . والبخاري . ومسلم . والترمذي . والنسائي . وابن ماجه . وغيرهم أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جنان الفردوس أربع . جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما . وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " والظاهر على هذا أنه يشترك الألوف في الجنة الواحدة من هذه الجنان ، ومعنى قوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ } [ الرحمن : 46 ] الخ عليه مما لا يخفى ، ثم إن قاصرات الطرف إن كنّ من الإنس فهنّ أجل قدراً وأحسن منظراً من الحور المقصورات في الخيام بناءاً على أنهن النساء المخلوقات في الجنة .

فقد جاء من حديث أم سلمة " قلت يا رسول الله : أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين ؟ قال : نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة ، قلت : يا رسول الله وبم ذاك ؟ قال : بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الوجوه خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن ألا نحن الخالدات فلا نموت أبداً ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً طوبى لمن كنا له وكان لنا " إلى غيره من الأخبار ويكون هذا مؤيداً للقول بتفضيل الجنتين الأوليين على الأخيرتين ولعله إنما قدم سبحانه ذكر الاتكاء أولاً على ذكر النساء لأنه عز وجل ذكر في صدر الآية الخوف حيث قال سبحانه : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] فناسب التعجيل بذكر ما يشعر بزواله إشعاراً ظاهراً وهو الاتكاء فإنه من شأن الآمنين ، وأخر سبحانه ذكره ثانياً عن ذكرهن لعدم ما يستدعي التقديم وكونه مما يكون للرجل عادة بعد فراغ ذهنه عما يحتاجه المنزل من طعام وشراب وقينة تكون فيه ، وإذا قلنا : إن الحور كالجواري في المنزل كان أمر التقديم والتأخير أوقع ، وقال الإمام في ذلك : إن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم متنعمون دائماً لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستوفز وعند قضاء وطره يغتسل وينتشر في الأرض للكسب ، ومنهم من يكون متردداً في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ويستريح عما لحقه من تعب قبل قضاء الوطر أو بعده فالله عز وجل قال في أهل الجنة : { مُتَّكِئُونَ } قبل اجتماعهم بأهاليهم متكئون بعد الاجتماع ليعلم أنهم دائمون على السكون ، ولا يخفى أن هذا على ما فيه لا يحسم السؤال إذ لقائل أن يقول لم لم يعكس أمر التقديم والتأخير في الموضعين مع أنه يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضاً ، ثم ذكر في ذلك وجهاً ثانياً وهو على ما فيه مبني على ما لا مستند له فيه من الآثار فتدبر .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

شرح الكلمات :

{ على رفرف خضر } : أي على وسائد أو بسط الواحدة رفرفة خضر جمع أخضر .

{ وعبقري حسان } : أي طنافس جمع طنفسة بساط له خمل رقيق أي بسط حسان .

المعنى :

وقوله تعالى : { متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان } أي متكئين على رفرف خضر والرفرف جمع رفرفة أي على وسائد أو بُسُطٍ خَضْرٍ ، وعبقريّ حِسان أي على طنافس ذات خمل دقيق .

الهداية

من الهداية :

- بيان أن الجن يدخلون الجنة ويسعدون فيها .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} (76)

{ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } أي : أصحاب هاتين الجنتين ، متكأهم على الرفرف الأخضر ، وهي الفرش التي فوق{[959]}  المجالس العالية ، التي قد زادت على مجالسهم ، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم ، لزيادة البهاء وحسن المنظر ، { وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } العبقري : نسبة لكل منسوج نسجا حسنا فاخرا ، ولهذا وصفها بالحسن الشامل ، لحسن الصنعة وحسن المنظر ، ونعومة الملمس ، وهاتان الجنتان دون الجنتين الأوليين ، كما نص الله على ذلك بقوله : { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } وكما وصف الأوليين بعدة أوصاف لم يصف بها الأخريين ، فقال في الأوليين : { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ }

وفي الأخريين : { عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } ومن المعلوم الفرق بين الجارية والنضاخة .

وقال في الأوليين : { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } ولم يقل ذلك في الأخريين . وقال في الأوليين : { فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } وفي الأخريين { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } وقد علم ما بين الوصفين من التفاوت .

وقال في الأوليين : { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } ولم يقل ذلك في الأخيرتين ، بل قال : { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ }

وقال في الأوليين ، في وصف نسائهم وأزواجهم : { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } وقال في الأخريين : { حور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } وقد علم التفاوت بين ذلك .

وقال في الأوليين{[960]} { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } فدل ذلك أن الأوليين جزاء المحسنين ، ولم يقل ذلك في الأخريين .

ومجرد تقديم الأوليين على الأخريين ، يدل على فضلهما .

فبهذه الأوجه يعرف فضل الأوليين على الأخريين ، وأنهما معدتان للمقربين من الأنبياء ، والصديقين ، وخواص عباد الله الصالحين ، وأن الأخريين معدتان لعموم المؤمنين ، وفي كل من الجنات [ المذكورات ] ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وفيهن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأهلها في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى ، حتى إن كلا{[961]}  منهم لا يرى أحدا أحسن حالا منه ، ولا أعلى من نعيمه [ الذي هو فيه ] .


[959]:- في ب: تحت.
[960]:- كذا في ب، وفي أ: الأخيرتين ويبدو أنه سبق قلم.
[961]:- في ب: كل واحد منهم.