قوله تعالى : { هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ، متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ، وعندهم قاصرات الطرف أتراب ، هذا ما توعدون ليوم الحساب ، إن هذا لرزقنا ما له من نفاد }
اعلم أن في قوله : { ذكر } وجهين الأول : أنه تعالى إنما شرح ذكر أحوال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل سفاهة قومه فلما تمم بيان هذا الطريق وأراد أن يذكر عقيبه طريقا آخر يوجب الصبر على سفاهة الجهال ، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر ، لا جرم قال : { هذا ذكر } ، ثم شرع في تقرير الباب الثاني فقال : { وإن للمتقين } كما أن المصنف إذا تمم كلاما قال هذا باب ، ثم شرع في باب آخر ، وإذا فرغ الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر قال هذا وقد كان كيت وكيت ، والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يردفه بذكر أهل النار قال : { هذا وإن للطاغين } الوجه الثاني : في التأويل ، أن المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام يذكرون به أبدا ، والأول هو الصحيح .
أما قوله : { وإن للمتقين لحسن مآب } .
فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن وصفوه بأنه ساحر كذاب ، وقالوا له على سبيل الاستهزاء { ربنا عجل لنا قطنا } فعند هذا أمر محمدا بالصبر على تلك السفاهة ، وبين أن ذلك الصبر لازم من وجهين الأول : أنه تعالى لما بين أن الأنبياء المتقدمين صبروا على المكاره والشدائد ، فيجب عليك أن تقتدي بهم في هذا المعنى الثاني : أنه تعالى بين في هذه الآية أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا ، ومن خالفه كان له من العقاب كذا وكذا ، وكل ذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى ، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف .
أما قوله تعالى : { وإن للمتقين لحسن مآب } المآب المرجع . واحتج القائلون بقدم الأرواح بهذه الآية ، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال ، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد ، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان ، فعند انفصالها عن الأبدان يسمى ذلك رجوعا وجوابه : أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح كانت موجودة قبل الأبدان ، ولا يدل على قدم الأرواح .
{ هذا } إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم { ذُكِرَ } أي شرف لهم وشاع الذكر بهذا المعنى لأن الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس فتجوز به عنه بعلاقة اللزوم ، والمراد في ذكر قصصهم وتنويه الله تعالى بهم شرف عظيم لهم أو المعنى هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن ، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر كما يقول الجاحظ في كتبه : فهذا باب ثم شرع في باب آخر ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر : هذا وكان كيت وكيت ، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيراً وعليه { هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ } [ ص : 55 ] وستسمع إن شاء الله تعالى الكلام فيه فلا يقال : إنه لا فائدة فيه لأنه معلوم أنه من القرآن . وقال ابن عباس : هذا ذكر من مضي من الأنبياء عليهم السلام ، وقوله تعالى : { هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } أي مرجع شروع في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل ، والمراد بالمتقين إما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما نفس المذكورين عبر عنهم بذلك مدحاً لهم بالتقوى التي هي الغاية القصوى في الكمال ، والجملة فيما أرى عطف على الجملة قبلها كأنه قيل : هذا شرف لهم في الدنيا وإن لهم ولأضرابهم أو إن لهم في الآخرة لحسن مآب أو هي من قبيل عطف القصة على القصة ، وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة : هي حالية ولم يبين صاحب الحال ، ويبعد أن يكون { ذِكْراً } لأنه نكرة متقدمة وأن يكون { هذا } لأنه مبتدأ ومع ذلك في المعنى على تقدير الحالية خفاء ، وقال بعض أجلة المعاصرين . إنه أراد أن الكلام على معنى والحال كذا أي الأمر والشأن كذا ولم يرد أن الجملة حال بالمعنى المعروف الذي يقتضي ذا حال وعاملا في الحال إلى غير ذلك وادعى أن الأمر كذلك في كل جملة يقال إنها حال وليس فيها ضمير يعود على ما قبلها نحو جاء زيد والشمس طالعة وقال : إنه الذي ينبغي أن يعول عليه وإن لم يذكره النحويون اه ، والحال لا يخفي على ذي تمييز ، وإضافة { حُسْنُ } إلى { مَئَابٍ } من إضافة الصفة إلى الموصوف إما بتأويل مآب ذي حسن أو حسن وأما بدونه قصداً للمبالغة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.