مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (15)

قوله تعالى : { ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

القصة الثانية : قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام

أما قوله تعالى : { علما } فالمراد طائفة من العلم أو علما سنيا عزيزا ، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو ، كقولك أعطيته فشكر ؟ جوابه : أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات ، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقا بهما فلا جرم صار كأنه قال : ولقد آتيناهما علما ، فعملا به قلبا وقالبا ، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا .

وأما قوله تعالى : { الحمد الله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } ففيها أبحاث :

أحدها : أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير . وثانيها : في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم . وثالثها : أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع . ورابعها : أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم ، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره ، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم ، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سببا لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جليا بحيث يصير المرء مستغرقا فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (15)

ذُكرت قصةُ داود في تسع سور هي : سورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام والإسراء والأنبياء وسورة النمل ، وسبأ ، وص ، وورد ذكر سليمان في سبع سور هي : البقرة والنساء والأنعام والأنبياء والنمل وسبأ ، وص .

وجاء ذكر داود هنا فقط ، وبُسطت قصةُ سليمان بتوسع في هذه السورة أكثر مما في أية سورة أخرى ، وركزت على قصة سليمان مع الهدهدِ وملكةِ سبأ ، ثم مشهد موكبه العظيم وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب ، وبذلك سُميت السورة « سورة النمل » وذلك من الآية 15 إلى الآية 44 .

ولقد أعطينا داود وسليمان عِلما ، فَحَمِدا الله على ما أولاهما ، وفضّلهما بذلك على كثير من المؤمنين . ويتبين لنا من الآية الكريمة فضلُ العلم وشرفه وشرف أهله ، وأن الإسلام قام على العلم كما ورد في أول ما نزل منه : { اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ . . . . } وفي آيات كثيرة ، كقوله تعالى : { يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ } سورة المجادلة .