مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا} (29)

{ وكل شيء أحصيناه كتابا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الزجاج : { كل } منصوب بفعل مضمر يفسره { أحصيناه } والمعنى : وأحصينا كل شيء وقرأ أبو السمال ، وكل بالرفع على الابتداء .

المسألة الثانية : قوله : { وكل شيء أحصيناه } أي علمنا كل شيء كما هو علما لا يزول ولا يتبدل ، ونظيره قوله تعالى : { أحصاه الله ونسوه } واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ، واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل : وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريرا لما ادعاه من قوله : { جزاء وفاقا } كأنه تعالى يقول : أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالما بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كان كافرا قطعا .

المسألة الثالثة : قوله : { أحصيناه كتابا } فيه وجهان : ( أحدهما ) : تقديره أحصيناه إحصاء ، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ، لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال عليه السلام «قيدوا العلم بالكتابة » فكأنه تعالى قال : وكل شيء أحصيناه إحصاء مساويا في القوة والثبات والتأكيد للمكتوب ، فالمراد من قوله كتابا تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، واعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل الزوال ، وعلم الله بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته ( القول الثاني ) : أن يكون قوله كتابا حالا في معنى مكتوبا والمعنى وكل شيء أحصيناه حال كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ ، كقوله : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } أو في صحف الحفظة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا} (29)

أي : كتبناه كتاباً ، وعلمناه عِلْماً .

والمسبِّحُ الزاهدُ يحصي تسبيحَه ، والمهجورُ البائسُ يحصي أيامَ هجرانه ، والذي هو صاحب وصالٍ لا يتفرَّغ من وَصْلِه إلى تذكُّرِ أيامه في العدد ، أو الطول والقصر .

والملائكة يُحصون زلاَّت العاصين ، ويكتبونها في صحائفهم . والحق سبحانه يقول :

{ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً } فكما أحصى زَلاَّتٍ العاصين وطاعات المطيعين فكذلك أحْصَى أيامَ هجرانِ المهجورين وَأيَامَ مِحَنِ الممتحَنين ، وإِنَّ لهم في ذلك لَسَلْوَةً وَنَفَساً :

ثمانٍ قد مضيْنَ بلا تلاقٍ *** وما في الصبر فَضْلٌ عن ثمانٍ

وكم من أقوامٍ جاوزت أيامُ فترتهم الحدَّ ! وأَرْبَتْ أوقاتُ هجرانهم على الحَصْر ! قوله جلّ ذكره : { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِِلاَّ عَذَاباً } .