مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّـٰبٗا} (35)

وخامسها : قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } في الآية سؤالان :

الأول : الضمير في قوله : { فيها } إلى ماذا يعود ؟ ( الجواب ) فيه قولان ( الأول ) : أنها ترجع إلى الكأس ، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها ، وذلك لأن أهل الشراب في الدنيا يتكلمون بالباطل ، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم ، ولم يتكلموا بلغو ( والثاني ) : أن الكناية ترجع إلى الجنة ، أي لا يسمعون في الجنة شيئا يكرهونه .

السؤال الثاني : الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة ، فوروده في قوله تعالى : { وكذبوا بآياتنا كذابا } مناسب لأنه يفيد المبالغة في وصفهم بالكذب ، أما وروده ههنا فغير لائق ، لأن قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم وهذا لا ينفي أنهم يسمعون الكذب القليل ، وليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة في أنهم لا يسمعون الكذب البتة ، والحاصل أن هذا اللفظ يفيد نفي المبالغة واللائق بالآية المبالغة في النفي ( والجواب ) : أن الكسائي قرأ الأول بالتشديد والثاني بالتخفيف ، ولعل غرضه ما قررناه في هذا السؤال ، لأن قراءة التخفيف ههنا تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا ، لأن الكذاب بالتخفيف والكذب واحد لأن أبا علي الفارسي قال : كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت القراءة بالتخفيف تفيد المبالغة في النفي ، وقراءة التشديد في الأول تفيد المبالغة في الثبوت فيحصل المقصود من هذه القراءة في الموضعين على أكمل الوجوه ، فإن أخذنا بقراءة الكسائي فقد زال السؤال ، وإن أخذنا بقراءة التشديد في الموضعين وهي قراءة الباقين ، فالعذر عنه أن قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } إشارة إلى ما تقدم من قوله : { وكذبوا بآياتنا كذابا } والمعنى أن هؤلاء السعداء لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد ، والحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن زحمة أعدائهم وعن سماع كلامهم الفاسد وأقوالهم الكاذبة الباطلة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّـٰبٗا} (35)

قوله جلّ ذكره : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً } .

مُسَلَّمٌ للمتقين ما وعدناهم به . . فهنيئاً لهم ما أَعددنا لهم من الفوزِ بالبُغْية . والظّفَرِ بالسُّؤَالِ والمُنْيَة : من حدائق وأَعنابٍ ، ومن كواعبَ أَترابٍ وغير ذلك .

فيا أيها المُهَيَّمون المتَيَّمون هنيئاً لكم ما أنتم فيه اليومَ في سبيل مولاكم من تجرُّدِ وفقر ، وما كلَّفَكم به من توكل وصبر ، وما تجرعتم من صَدٍّ وهجر .

أحرى الملابسِ ما تَلْقَى الحبيبَ به *** يومَ التزاورِ في الثوب الذي خَلَعا

قوله : { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } آذانُهم مصونةٌ عن سماع الأغيار ، وأبصارهم محفوظةٌ عن ملاحظة الرسوم والآثار .