مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (10)

ثم إنه تعالى ابتدأ دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال : { الذي جعل لكم الأرض مهدا } ولو كان هذا من جملة كلام الكفار ولوجب أن يقولوا : الذي جعل لنا الأرض مهدا ، ولأن قوله في أثناء الكلام { فأنشرنا به بلدة ميتا } لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلا يقول الذي بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كأن ذلك السامع يقول أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه فيكون النعتان جميعا من رجلين لرجل واحد . إذا عرفت كيفية النظم في الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله تعالى .

الصفة الأولى : كونه خالقا للسموات والأرض والمتكلمون بينوا أن أول العمل بالله العلم بكونه محدثا للعالم فاعلا له ، فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر كونه خالقا ، وهذا إنما يتم إذا فسرنا الخلق بالإحداث والإبداع .

الصفة الثانية : العزيز وهو الغالب وما لأجله يحصل المكنة من الغلبة هو القدرة وكان العزيز إشارة إلى كمال القدرة .

الصفة الثالثة : العليم وهو إشارة إلى كمال العلم ، واعلم أن كمال العلم والقدرة إذا حصل كان الموصوف به قادرا على خلق جميع الممكنات ، فلهذا المعنى أثبت تعالى كونه موصوفا بهاتين الصفتين ثم فرع عليه سائر التفاصيل .

الصفة الرابعة : قوله { الذي جعل لكم الأرض مهدا } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن كون الأرض مهدا إنما حصل لأجل كونها واقفة ساكنة ولأجل كونها موصوفة بصفات مخصوصة باعتبارها يمكن الانتفاع بها في الزراعة وبناء الأبنية في كونها ساترة لعيوب الأحياء والأموات ، ولما كان المهد موضع الراحة للصبي جعل الأرض مهدا لكثرة ما فيها من الراحات .

الصفة الخامسة : قوله { وجعل لكم فيها سبلا } والمقصود أن انتفاع الناس إنما يكمل إذا قدر كل أحد أن يذهب من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم ، ولولا أن الله تعالى هيأ تلك السبل ووضع عليها علامات مخصوصة وإلا لما حصل هذا الانتفاع .

ثم قال تعالى : { لعلكم تهتدون } يعني المقصود من وضع السبل أن يحصل لكم المكنة من الاهتداء ، والثاني المعنى لتهتدوا إلى الحق في الدين .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (10)

ثم يمضي بهم خطوة أخرى في تعريف الله سبحانه بصفاته ؛ وفي بيان فضله عليهم بعد الخلق والإنشاء :

( الذي جعل لكم الأرض مهدا ، وجعل لكم فيها سبلاً ، لعلكم تهتدون ) . .

وحقيقة جعل هذه الأرض مهداً للإنسان يدركها كل عقل في كل جيل بصورة من الصور . والذين تلقوا هذا القرآن أول مرة ربما أدركوها في رؤية هذه الأرض تحت أقدامهم ممهدة للسير ، وأمامهم ممهدة للزرع ، وفي عمومها ممهدة للحياة فيها والنماء . ونحن اليوم ندرك هذه الحقيقة في مساحة أعرض وفي صورة أعمق ، بقدر ما وصل إليه علمنا عن طبيعة هذه الأرض وتاريخها البعيد والقريب - لو صحت نظرياتنا في هذا وتقديراتنا - والذين يأتون بعدنا سيدركون من تلك الحقيقة ما لم ندرك نحن ؛ وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويعمق ، ويتكشف عن آفاق وآماد كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم ، وانكشفت المجاهيل لهذا الإنسان .

ونحن اليوم ندرك من حقيقة جعل الأرض مهداً لهذا الجنس يجد فيها سبله للحياة أن هذا الكوكب مر في أطوار بعد أطوار ، حتى صار مهداً لبني الإنسان . وفي خلال هذه الأطوار تغير سطحه من صخر يابس صلد إلى تربة صالحة للزرع ؛ وتكوّن على سطحه الماء من اتحاد الأيدروجين والأكسوجين ؛ واتأد في دورانه حول نفسه فصار يومه بحيث يسمح باعتدال حرارته وصلاحيتها للحياة ؛ وصارت سرعته بحيث يسمح باستقرار الأشياء والأحياء على سطحه ، وعدم تناثرها وتطايرها في الفضاء ?

ونعرف من هذه الحقيقة كذلك أن الله أودع هذا الكوكب من الخصائص خاصية الجاذبية ، فاحتفظ عن طريقها بطبقة من الهواء تسمح بالحياة ؛ ولو أفلت الهواء المحيط بهذا الكوكب من جاذبيته ما أمكن أن تقوم الحياة على سطحه ، كما لم تقم على سطح الكواكب الأخرى التي تضاءلت جاذبيتها ، فأفلت هواؤها كالقمر مثلاً ! وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض ؛ فأمكن أن تحفظ الأشياء والأحياء من التطاير والتناثر ؛ وفي الوقت ذاته تسمح بحركة الإنسان والأحياء على سطح الأرض ؛ ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والأحياء بالأرض وتعذرت حركتها أو تعسرت من ناحية ، ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقاً ، أو سحقها كما نسحق نحن الذباب والبعوض أحياناً بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا ! ولو خف هذا الضغط عما هو عليه لانفجر الصدر والشرايين انفجاراً !

ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهداً وتذليل السبل فيها للحياة ، أن الخالق العزيز العليم قدر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له ؛ ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذرت هذه الحياة أو تعسرت . فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا ، ومنها أنه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتم على سطحها ، والاحتفاظ بجوها دائماً في حالة تسمح للأحياء بالحياة . ومنها أنه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به ، والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها ؛ ولولا هذه الموازنة لاختنق الأحياء بعد فترة من الزمان .

وهكذا . وهكذا . من المدلولات الكثيرة لحقيقة : ( جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً )تتكشف لنا في كل يوم ؛ وتضاف إلى المدلولات التي كان يدركها المخاطبون بهذا القرآن أول مرة . وكلها تشهد بالقدرة كما

تشهد بالعلم لخالق السماوات والأرض العزيز العليم . وكلها تشعر القلب البشري باليد القادرة المدبرة ، في حيثما امتد بصره ، وتلفت خاطره وأنه غير مخلوق سدى وغير متروك لقى " وأن هذه اليد تمسك به ، وتنقل خطاه ، وتتولى أمره في كل خطوة من خطواته في الحياة ، وقبل الحياة ، وبعد الحياة !

( لعلكم تهتدون ) . . فإن تدبر هذا الكون ، وما فيه من نواميس متناسقة كفيل بهداية القلب إلى خالق هذا الكون ، ومودعه ذلك التنظيم الدقيق العجيب . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (10)

{ الذي جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً } مكاناً ممهداً أي موطأ ومآله بسطها لكم تستقرون فيها ولا ينافي ذلك كريتها لمكان العظم ، وعن عاصم أنه قرأ { مهادا } بدون ألف { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً تسكلونها في أسفاركم { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا بسلوكنها إلى مقاصدكم أو بالتفكر فيها إلى التوحيد الذي هو المقصد الأصلي .