قوله تعالى { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }
اعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه :
الوجه الأول : أن المراد من الظلم ههنا الشرك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر ، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ، فمعنى الآية : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } أي لا يهلكهم بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضا على الصلاح والسداد . وهذا تأويل أهل السنة لهذه الآية ، قالوا : والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق .
والوجه الثاني : في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لما كان متعاليا عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم .
فإن الله لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين ، أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد ، إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة ، فأنجاهم الله . وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم ، فأهلك القرى بأهلها الظالمين :
فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ! إلا قليلا ممن أنجينا منهم ، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . .
وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم . فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله ، في صورة من صوره ، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية ، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير . فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ، ويفسد فيها المفسدون ، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد ، أو يكون فيها من يستنكر ، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد ، فإن سنة الله تحق عليها ، إما بهلاك الاستئصال . وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال !
فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده ، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره ، هم صمام الأمان للأمم والشعوب . . وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده ، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره . . إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب ، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله ، واستحقاق النكال والضياع .
{ بظلم } : أي منه لها بدون ما ذنب اقترفته .
وقوله تعالى { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } أي لم يكن من شأن ربّك أيها الرسول أن يهلك القرى بظلم من هو وأهلها مصلحون ، ولكن يهلكهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والتكذيب والمعاصي . وما تضمنته هذه الآية هو بيان لسنة الله تعالى في إهلاك الأمم السابقة ممن قص تعالى أنباءهم في هذه السورة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.