مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ} (21)

ثم قال تعالى : { يعذب من يشاء ويرحم وإليه تقلبون ، وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير }

لما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون فيه وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا وحكمة ، وإثابة أهل الإنابة فضلا ورحمة ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه السلام حاكيا عنه «سبقت رحمتي غضبي » فنقول ذلك لوجهين أحدهما : أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة ، وكما ذكر ، بعد إثبات الأصل الأول وهو التوحيد التهديد بقوله : { وإن تكذبوا فقد كذب أمم } وأهلكوا بالتكذيب كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب ، وذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا يحقق قوله : ( سبقت رحمتي غضبي ) وذلك لأن الله حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر بل ذكر الرحمة معه .

المسألة الثانية : إذا كان ذكر هذا لتخويف العاصي وتفريح المؤمن فلو قال يعذب الكافر ويرحم المؤمن لكان أدخل في تحصيل المقصود وقوله : { يعذب من يشاء } لا يزجر الكافر لجواز أن يقول لعلي لا أكون ممن يشاء الله عذابه ، فنقول : هذا أبلغ في التخويف ، وذلك لأن الله أثبت بهذا إنفاذ مشيئته إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ، ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد والإيعاد أنه شاء تعذيب أهل العناد ، فلزم منه الخوف التام بخلاف ما لو قال يعذب العاصي ، فإنه لا يدل على كمال مشيئته ، لأنه لا يفيد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه ، فإذا لم يفد هذا فيقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك الصورة يمكن أن يحصل في صورة أخرى ، ولنضرب له مثلا فنقول : إذا قيل إن الملك يقدر على ضرب كل من في بلاده وقال من خالفني أضربه يحصل الخوف التام لمن يخالفه ، وإذا قيل إنه قادر على ضرب المخالفين ولا يقدر على ضرب المطيعين ، فإذا قال من خالفني أضربه يقع في وهم المخالف أنه لا يقدر على ضرب فلان المطيع ، فلا يقدر علي أيضا لكوني مثله ، وفي هذا فائدة أخرى وهو الخوف العام والرجاء العام ، لأن الأمن الكلي من الله يوجب الجراءة فيفضي إلى صيرورة المطيع عاصيا .

المسألة الثالثة : قال : { ثم إليه تقلبون } مع أن هذه المسألة قد سبق إثباتها وتقريرها فلم أعادها ؟ فنقول لما ذكر الله التعذيب والرحمة وهما قد يكونان عاجلين ، فقال تعالى : فإن تأخر عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات ، فإن إليه إيابكم وعليه حسابكم وعنده يدخر ثوابكم وعقابكم . ولهذا قال بعدها { وما أنتم بمعجزين }

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ} (21)

14

ومن قدرة الله على كل شيء : تعذيبه لمن يشاء ورحمته لمن يشاء ، وإليه وحده المآب ؛ لا يعجزه أحد ، ولا يمتنع عليه أحد :

( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ، وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء . وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) . .

والعذاب والرحمة يتبعان مشيئة الله ؛ من حيث أنه بين طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وخلق للإنسان من الاستعداد ما يختار به هذا أو ذاك ، ويسر له الطريقين سواء ، وهو بعد ذلك ، وما يختار غير أن اتجاهه إلى الله ورغبته في هداه ، ينتهيان به إلى عون الله له - كما كتب على نفسه - وإعراضه عن دلائل الهدى وصده عنها يؤديان به إلى الإنقطاع والضلال . ومن ثم تكون الرحمة ويكون العذاب .

( وإليه تقلبون ) . .

تعبير عن المآب فيه عنف ، يناسب المعنى بعده :

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ} (21)

شرح الكلمات :

{ وإليه تقلبون } : أي ترجعون إليه لا إلى غيره أحياء كما كنتم فيحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم ، الحسنة بخير منها والسيئة بمثلها جزاء عادلاً .

المعنى :

وقوله تعالى : { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } هذه فائدة وحكمة البعث الآخرة وهي المجازاة على العمل في هذه الحياة فيعذب أهل الكفر به وبرسوله والذين لم يزكوا أنفسهم بالإِيمان وصالح الأعمال فيدخلهم جهنم دار الشقاء والعذاب ويرحم أهل الإِيمان والتقوى الذين زكوا أنفسهم بالإِيمان والصالحات . وقوله : { وإليه تقلبون } أي إلى الله ربكم ترجعون بعد الموت والفناء وإنشاء النشأة الآخرة .

الهداية :

من الهداية :

- تقرير عقيدة البعث والجزاء وذكر أدلتها التفصيلية .