( وثالثها ) قوله : { وجمع الشمس والقمر } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في كيفية الجمع وجوها ( أحدها ) أنه تعالى قال : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } فإذا جاء وقت القيامة أدرك كل واحد منهما صاحبه واجتمعا ( وثانيها ) جمعا في ذهاب الضوء ، فهو كما يقال : الشافعي يجمع ما بين كذا وكذا في حكم كذا ( وثالثها ) يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار ، وقيل : يجمعان ثم يقذفان في البحر ، فهناك نار الله الكبرى واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها في قوله ، وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر إنما تستقيم على مذهب من يجعل برق البصر من علامات القيامة ، فأما من يجعل برق البصر من علامات الموت قال معنى : { وخسف القمر } أي ذهب ضوء البصر عند الموت ، يقال عين خاسفة ، إذا فقئت حتى غابت حدقتها في الرأس ، وأصلها من خسفت الأرض إذا ساخت بما عليها ، وقوله : { وجمع الشمس والقمر } كناية عن ذهاب الروح إلى عالم الآخرة ، كأن الآخرة كالشمس ، فإنه يظهر فيها المغيبات وتتضح فيها المبهمات ، والروح كالقمر فإنه كما أن القمر يقبل النور من الشمس ، فكذا الروح تقبل نور المعارف من عالم الآخرة ، ولا شك أن تفسير هذه الآيات بعلامات القيامة أولى من تفسيرها بعلامات الموت وأشد مطابقة لها .
المسألة الثانية : قال الفراء : إنما قال جمع ، ولم يقل : جمعت لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور وذهاب الضوء ، وقال الكسائي ، المعنى جمع النوران أو الضياءان ، وقال أبو عبيدة ، القمر شارك الشمس في الجمع ، وهو مذكر ، فلا جرم غلب جانب التذكير في اللفظ ، قال الفراء ، قلت : لمن نصر هذا القول : كيف تقولون : الشمس جمع والقمر ؟ فقالوا : جمعت ، فقلت ما الفرق بين الموضعين ؟ فرجع عن هذا القول .
المسألة الثالثة : طعنت الملاحدة في الآية ، وقالوا : خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر ( والجواب ) الله تعالى قادر على أن يجعل القمر منخسفا ، سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس ، أو لم تكن ، والدليل عليه أن الأجسام متماثلة ، فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، والله قادر على كل الممكنات ، فوجب أن يقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال .
ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها ، سريعا خاطفا حاسما ، ليس فيه تريث ولا إبطاء حتى في إيقاع النظم ، وجرس الألفاظ . وكان مشهدا من مشاهد القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية ، والمشاهد الكونية :
( فإذا برق البصر . وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر . يقول الإنسان يومئذ أين المفر ? ) .
فالبصر يخطف ويتقلب سريعا سريعا تقلب البرق وخطفه . والقمر يخسف ويطمس نوره . والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق . ويختل نظامهما الفلكي المعهود ، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق . .
برق البصر : دهش وتحيّر مما رأى فزعا مما رأى من أهوال يوم القيامة .
وجمع الشمس والقمر : في الطلوع من المغرب مظلمين .
أين المفر : المهرب من العذاب أو الهول .
7 ، 8 ، 9 ، 10- فإذا برق البصر* وخسف القمر* وجمع الشمس والقمر* يقول الإنسان يومئذ أين المفر .
إذا فوجئ الإنسان بأهوال القيامة ، وقف وانبهر ، وتخشع وتحارّ من شدة الأهوال ، ومن عظم ما نشاهده يوم القيامة من أمور ، ومنه قول ذي الرمّة :
ولو أن لقمان الحكيم تعرضت *** لعينيه من سافرا كاد يبرق
حيث تطلع الشمس من مغربها ، وكذلك القمر ، ولا ضوء للشمس ولا للقمر في ذلك الحين .
يقول الإنسان يومئذ أين المفر .
عندما يشاهد الإنسان هذه العلامات الكبرى ، التي تزلزل الوجدان والفؤاد ، يبحث عن مهرب خوفا من الله تعالى ، أو خوفا من جهنم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.