مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (277)

قوله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .

اعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا ، فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد ، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية { وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } مع أنه لا نزاع في أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت { وعملوا الصالحات } فكذا فيما ذكرتم ، وأيضا قال تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [ محمد : 34 ] وقال : { الذين كفروا وكذبوا بآياتنا } [ البقرة : 239 ] .

وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل .

المسألة الثانية : { لهم أجرهم عند ربهم } أقوى من قوله : على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد ، فذاك النقد هناك حاضر ، متى شاء البائع أخذه ، وقوله : أجرهم على ربهم . يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة ، ولا شك أن الأول أفضل .

المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فقال ابن عباس : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا ، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة ، وإن كان مغتبطا بالثانية لأجل إلفه وعادته ، فبين تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة ، وقال الأصم : لا خوف عليهم من عذاب يومئذ ، ولا هم يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء ، لأنه لا منافسة في الآخرة ، ولا هم يحزنون أيضا بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة .

المسألة الرابعة : في قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم } إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت ، ثم عند انقطاع حيضها ماتت ، أو الرجل بلغ عارفا بالله ، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات ، فهما بالاتفاق من أهل الثواب ، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال ، وأيضا من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال ، وإذا كان كذلك ، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال ؟ .

الجواب : أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا ، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب ، كما قال في ضد هذا { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } [ الفرقان : 68 ] ثم قال : { ومن يفعل ذلك يلق آثاما } [ الفرقان : 68 ] ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر ، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (277)

275

وفي الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم ، والتهديد الساحق لأصحاب منهج الربا ونظامه ، يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح ، وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا الجانب ، وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر - نظام الزكاة - المقابل لنظام الربا :

( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .

والعنصر البارز في هذه الصفحة هو عنصر " الزكاة " . عنصر البذل بلا عوض ولا رد . والسياق يعرض بهذا صفة المؤمنين وقاعدة المجتمع المؤمن . ثم يعرض صورة الأمن والطمأنينة والرضى الإلهي المسبغ على هذا المجتمع المؤمن .

إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكافل المتضامن ؛ الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته .

وقد بهتت صورة " الزكاة " في حسنا وحس الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقا في عالم الواقع ؛ ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية ، فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة ، ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية . ويجعل " الزكاة " قاعدة هذا النظام ، في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي ، أو التعاون البريء من الربا !

بهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي لم تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي ، القائم على الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح ، والتكالب والتطاحن ، والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس . فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات ، ما لم يكن لهم رصيد من المال ؛ أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به ، ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية ! فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ؛ وأن الحياة لا تقوم إلا على هذا الأساس !

بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحسانا فرديا هزيلا ، لا ينهض على أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة ، وهي تتناول اثنين ونصفا في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها ؟ يؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة ، ويربيهم تربية خاصة ، بالتوجيهات والتشريعات ، وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه ! وتحصلها الدولة المسلمة ، حقا مفروضا ، لا إحسانا فرديا . وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة ؛ حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ؛ وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان دينا تجاريا أو غير تجاري ، من حصيلة الزكاة .

وليس المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه ، متناسق مع شكل النظام وإجراءاته ، متكامل مع التشريعات والتوجيهات ، ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معا متناسقة متكاملة . وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى . ولكنها حقيقة نعرفها نحن - أهل الإسلام - ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم - وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها - فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به : الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة . . ليحرموا من الطمأنينة والرضى ، فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وضلالهم وعنادهم يحرمون !

إن الله - سبحانه - يعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح والعبادة والتعاون ، أن يحتفظ لهم بأجرهم عنده . ويعدهم بالأمن فلا يخافون . وبالسعادة فلا يحزنون :

( لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .

في الوقت الذي يوعد أكلة الربا والمجتمع الربوي بالمحق والسحق ، وبالتخبط والضلال ، وبالقلق والخوف .

وشهدت البشرية ذلك واقعا في المجتمع المسلم ؛ وتشهد اليوم هذا واقعا كذلك في المجتمع الربوي ! ولو كنا نملك أن نمسك بكل قلب غافل فنهزه هزا عنيفا حتى يستيقظ لهذه الحقيقة الماثلة ؛ ونمسك بكل عين مغمضة فنفتح جفنيها على هذا الواقع . . لوكنا نملك لفعلنا . . ولكننا لا نملك إلا أن نشير إلى هذه الحقيقة ؛ لعل الله أن يهدي البشرية المنكودة الطالع إليها . . والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن . والهدى هدى الله . .