مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ، اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم ، فقال تعالى في هذه الآية { وذروا ما بقى من الربا } وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض ، فالزيادة تحرم ، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم ، وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال : { اتقوا الله } واتقاؤه ما نهى عنه { وذروا ما بقى من الربا } يعني إن كنتم قد قبضتم شيئا فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان ، أو بعضا ، فإنه محرم قبضه .

واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام ، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب ، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى ، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى ، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه .

فإن قيل : كيف قال : { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا } ثم قال في آخره { إن كنتم مؤمنين } .

الجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخا فأكرمني ، معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم .

المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات :

الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة .

والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضا ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة .

الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي .

المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله { إن كنتم مؤمنين } كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر .

والجواب : لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله { الذين يؤمنون بالغيب } [ البقرة : 3 ] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (278)

275

وفي ظل هذا الرخاء الآمن الذي يعد الله به الجماعة المسلمة ، التي تنبذ الربا من حياتها ، فتنبذ الكفر والإثم ، وتقيم هذه الحياة على الإيمان والعمل الصالح والعبادة والزكاة . . في ظل هذا الرخاء الأمن يهتف بالذين آمنوا الهتاف الأخير ليحولوا حياتهم عن النظام الربوي الدنس المقيت ؛ وإلا فهي الحرب المعلنة من الله ورسوله ، بلا هوادة ولا إمهال ولا تأخير :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله . وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )

إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا . فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا . ليسوا بمؤمنين ولو اعلنوا أنهم مؤمنون . فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به . والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر . ولا يدع إنسانا يتستر وراء كلمة الإيمان ، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله ، ولا ينفذه في حياته ، ولا يحكمه في معاملاته . فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين . مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون !

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا . . إن كنتم مؤمنين ) . .

لقد ترك لهم ما سلف من الربا - لم يقرر استرداده منهم ، ولا مصادرة أموالهم كلها أو جزء منها بسبب أن الربا كان داخلا فيها . . إذ لا تحريم بغير نص . . ولا حكم بغير تشريع . . والتشريع ينفذ وينشىء آثاره بعد صدوره . . فأما الذي سلف فأمره إلى الله لا إلى أحكام القانون . وبذلك تجنب الإسلام أحداث هزة اقتصادية واجتماعية ضخمة لو جعل لتشريعه أثرا رجعيا . وهو المبدأ الذي أخذ به التشريع الحديث حديثا ! ذلك أن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية ، ويسيرها ، ويطهرها ، ويطلقها تنمو وترتفع معا . . وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به . واستجاش في قلوبهم - مع هذا - شعور التقوى لله . وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه ، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس ، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته . فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي لا تستند إلا للرقابة الخارجية ! وما أيسر الاحتيال على الرقابة الخارجية ، حين لا يقوم من الضمير حارس له من تقوى الله سلطان .