مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} (62)

قوله تعالى : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ، إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ، طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ، ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ، إنهم ألفوا آباءهم ضالون ، فهم على آثارهم يهرعون ، ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ، ولقد أرسلنا فيهم منذرين ، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ، إلا عباد الله المخلصين } .

اعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها { لمثل هذا فليعمل العاملون } [ الصافات : 61 ] أتبعه بقوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر ، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم وصف أيضا في هذه الآية مآكل أهل النار ومشاربهم .

أما قوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور لأهل الجنة { خير نزلا } أي خير حاصلا { أم شجرة الزقوم } وأصل النزل الفضل الواسع في الطعام يقال طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلا وهو الشيء الذي يصلح حال من ينزل بسببه ، إذا عرفت هذا فنقول حاصل الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم ، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام ، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم ، والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توبيخا لهم على سوء اختيارهم ، وأما { الزقوم } فقال الواحدي رحمه الله لم يذكر المفسرون . للزقوم تفسيرا إلا الكلبي فإنه روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري أكثر الله في بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل لجاريته زقمينا فأتته بزبد وتمر ، وقال : تزقموا . ثم قال الواحدي ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا الزبد والتمر ، قال ابن دريد لم يكن للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال بات فلان يتزقم . وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعام منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من تناولها عظم من تناولها ، ثم إنه تعالى يكره أهل النار على تناول بعض أجزائها .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} (62)

ولكي يتضح الفارق الهائل بين هذا النعيم الخالد الآمن الدائم الراضي ؛ والمصير الآخر الذي ينتظر الفريق الآخر . فإن السياق يستطرد إلى ما ينتظر هذا الفريق بعد موقف الحشر والحساب الذي ورد في مطلع المشهد الفريد :

( أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ! إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين . فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون . ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم . ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) . .

أذلك النعيم المقيم خير منزلاً ومقاماً أم شجرة الزقوم ?

وما شجرة الزقوم ?

( إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) . .

والناس لا يعرفون رؤوس الشياطين كيف تكون ! ولكنها مفزعة ولا شك . ومجرد تصورها يثير الفزع والرعب . فكيف إذا كانت طلعاً يأكلونه ويملأون منه البطون ? !

لقد جعل الله هذه الشجرة فتنة للظالمين . فحين سمعوا باسمها سخروا وقالوا : كيف تنبت شجرة في الجحيم ولا تحترق . وقال قائل منهم هو أبو جهل ابن هشام يسخر ويتفكه : " يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ? قالوا : لا : قال عجوة يثرب بالزبد ! والله لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقماً " ! ولكن شجرة الزقوم هذه شيء آخر غير ذلك الطعام الذي كانوا يعرفون !