مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ} (49)

ولما بين الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج ، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحس ببلاء ومحنة ذبل ، كما قيل في المثل : إن هذا كالقرلى ، إن رأى خيرا تدلى ، وإن رأى شرا تولى فقال : { لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط } يعني أنه في حال الإقبال ومجيء المرادات لا ينتهي قط إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ويطمع بالفوز بها ، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيسا قانطا ، فالانتقال من ذلك الرجاء الذي لا آخر له إلى هذا اليأس الكلي يدل على كونه مبتدل الصفة متغير الحال وفي قوله { يئوس قنوط } مبالغة من وجهين ( أحدهما ) من طريق بناء فعول ( والثاني ) من طريق التكرير واليأس من صفة القلب ، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهرة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ} (49)

{ 49-51 } { لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ }

هذا إخبار عن طبيعة الإنسان ، من حيث هو ، وعدم صبره وجلده ، لا على الخير ولا على الشر ، إلا من نقله الله من هذه الحال إلى حال الكمال ، فقال : { لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ } أي : لا يمل دائمًا ، من دعاء الله ، في الغنى والمال والولد ، وغير ذلك من مطالب الدنيا ، ولا يزال يعمل على ذلك ، ولا يقتنع بقليل ، ولا كثير منها ، فلو حصل له من الدنيا ، ما حصل ، لم يزل طالبًا للزيادة .

{ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ } أي : المكروه ، كالمرض ، والفقر ، وأنواع البلايا { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أي : ييأس من رحمة الله تعالى ، ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك ، ويتشوش من إتيان الأسباب ، على غير ما يحب ويطلب .

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب ، شكروا الله تعالى ، وخافوا أن تكون نعم الله عليهم ، استدراجًا وإمهالاً ، وإن أصابتهم مصيبة ، في أنفسهم وأموالهم ، وأولادهم ، صبروا ، ورجوا فضل ربهم ، فلم ييأسوا .