قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعملون } .
المسألة الأولى : قوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين } يحتمل أن يكون راجعا إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله : { وقل إني أنا النذير المبين } أي لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين ، فيعود قوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين } على الكل ، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان ، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل .
فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { فوربك لنسألنهم } وبين قوله : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسألون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسألون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا ؟
ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات .
والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات ، والإثبات إلى وقت آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل .
ولقائل أن يقول : قوله ؛ { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض .
والوجه الثالث : أن نقول : قوله : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } يفيد عموم النفي وقوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين } عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام .
{ فوربك لنسألنهم أجمعين*عما كانوا يعملون } .
أي : فلنسألن الكفار جميعا ، سؤال توبيخ لهم ، على ما كانوا يقولون ويفعلون ، وسنجازيهم عليهما الجزاء الأوفى ، وعن أبي العالية : يسأل العباد عن خلتين : عما كانوا يعبدون ، وعما ذا أجابوا المرسلينxxxvii .
ويمكن أن تكون الآية عامة ، في سؤال جميع الخلائق عن أعمالهم كبيرها وصغيرها ، جليلها وعظيمها .
روى ابن أبي حاتم : عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ، إن المرء يسأل يوم القيامة ، عن جميع سعيه ؛ حتى كحل عينيه ، وعن فتات الطينة بأصبعه ، فلا ألفينك يوم القيامة ، وأحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك ) .
وعن ابن عباس قال : لا يسألهم الله هل عملتم كذا ؟ لأنه أعلم بذلك منهم ، ولكن يقول : لم عملتم كذا وكذا ؟ ! xxxviii .
وقوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين*عما كانوا يعملون } . ضمير عام ، ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه ؛ فالكافر يسأل عن : لا إله إلا الله ، وعن الرسل ، وعن كفره وقصده ، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه ، والإمام عن رعيته ، وكل مكلف عما كلف به ، وفي هذا أحاديثxxxix .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.