قوله تعالى : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } .
اعلم أن معنى كون الرسول مصدقا لما معهم هو أنه كان معترفا بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقا لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقا للتوراة .
أما قوله تعالى : { نبذ فريق } فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه .
أما قوله تعالى : { من الذين أوتوا الكتاب } ففيه قولان ، أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه ، قال هذا القائل : الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى : { كأنهم لا يعلمون } ، الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه ، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه ، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه .
أما قوله تعالى : { كتاب الله وراء ظهورهم } فقيل : إنه التوراة ، وقيل : إنه القرآن ، وهذا هو الأقرب لوجهين ، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولا وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه ، الثاني : أنه قال : { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن ، فإن قيل : كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به ؟ قلنا : إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة .
أما قوله تعالى : { كأنهم لا يعلمون } فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم ، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون ، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم .
( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون( 101 ) واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون( 102 ) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون( 103 ) (
101- ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .
الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بأنه جاءهم من عند الله فيه تعظيم له ، فإن عظمة المرسل تقتضي عظمة رسوله ، وفيه مع ذلك مبالغة في استنكار كفرهم .
أي ولما جاءهم رسول عظيم من عند الله مصدق لما معهم من التوراة من حيث إنه جاء على الوصف الذي وصفته التوراة لخاتم الرسل . كما أن كتابه الذي جاء به موافق لما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين والأخلاق وأخبار الأمم .
نبذ فريق من اليهود كتاب الله وهو التوراة التي بشرت بالنبي وأهملوها تاما كأنهم لا يعلمون أنها من عند الله أو أن محمدا رسول الله .
والواقع أنهم يعلمون ذلك علما يقينا ولكنهم نبذوه مكابرة وعنادا وجريا على سنتهم في نبذ العهود ، فإنه قد أخذ عليهم في التوراة أنه إذا جاءهم هذا الرسول المنعوت ، يؤمنون به وينصرونه ، فنقضوا هذا العهد بكفرهم به .
وقوله تعالى : وراء ظهورهم : كناية عن إعراضهم الشديد عنه وتوليهم عن تعاليمهم .
ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم ، أنهم طرحوه برمته ، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله ، وإنما المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبين صفاته ، ويأمرهم بالإيمان به وإتباعه ، فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره ، بمن يلقى الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكروه وترك الجزء منه كتركه كله ، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرى على ترك الباقي( 244 ) .
السحر نوع من الابتلاء والاختبار ، أو نوع من البلاء الذي يتعرض له الناس في هذه الدنيا .
«والسحر ثابت بالحس والمشاهدة ونص القرآن وتواترت به الآثار عن الصحابة والسلف وأهل التفسير والحديث والفقهاء ، والسحر يؤثر مرضا وثقلا وعقدا وحبا وبغضا ونزيفا وغير ذلك من الآثار الموجودة والتي تعرفها عامة الناس وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به » ( 240 ) .
رأى الإمام محمد عبده في السحر :
يذهب الأستاذ الإمام إلى أن السحر تخييل للأعين وخداع للناظرين ، ونستطيع أن نوجز آراءه في السحر فيما يلي :
1- السحر ليس جزءا من العقيدة الدينية بل هو من الأمور العادية والعلوم الإنسانية ، متروك إلى بحوث الناس وتقدم معلوماتهم عنه وتوضيحهم لحقائقه .
2- جاء ذكر السحر في القرآن في مواضع متعددة ومجموعها يدل على أن السحر أحد الشيئين :
ب- وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرا لخفاء سببه ولطف مأخذه ، ويمكن أن يعد منه تأثير نفس في نفس أخرى .
3- السحر تخييل وخداع للأعين وليس حقيقة ، ولذلك قال سبحانه : يخيل إليهم من سحرهم أنها . تسعى فسحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصورة الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى .
4- اعتاد من يتخذ لسحر وسيلة أن يستعين بأسماء الجان والشياطين فيعتقد الدهماء أنهم يستجيبون له ويلقى ذلك في روعهم ، وهذا الوهم يصنع صنع السحر ولا يستطيع الساحر أن يؤثر إلا في شخص عزيمته هباء ونفسه هواء وعنده قابلية لتأثير غيره فيه ، فينتهز ذلك الساحر ليوهمه بما يشاء( 246 ) .
مذهب الأشعرية أن للسحر تأثيرا حقيقيا وليس كله حيلا ومنه أنه أثر في جسم النبي صلى الله عليه وسلم وخياله دون عقله وروحه فكان يخيل إليه أنه أتى نساءه ولم يكن آتاهن ولم يتجاوز هذا الحد( 246 ) .
والمتأمل في موضوع السحر يرى أن بعضه خداع وخفة حركة و براعة وحيلة وذكاء وتفرس .
وبعضه حقيقة نسلم بها كنوع من البلاء الذي يصيب الناس . قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون .
وفي التراث الإسلامي والهدى النبوي ما يفيد أن هناك عدة أشياء تحمي الإنسان من السحر والحسد والشياطين منها :
2- قراءة . قل هو الله أحد . والمعوذتين .
3- قراءة خواتيم صورة البقرة من قوله تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . . .
5- قراءة : ( لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ) عشر مرات بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب .
6- قراءة : ( باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وفي الأثر : من أعجبه شيء من أهل أو مال أو ولد فقال باسم الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروها .
7- الاعتقاد الجازم واليقين الصادق بأن الله هو النافع وهو الضار وهو المانع وهو الكافي وأن أحدا لا ينفع ولا بضر إلا بإذن الله . وهذا العنصر الأخير هو أهم شيء في الموضوع وهو الصخرة العاتية التي تنكسر عليها آثار كل حسد أو سحر أو شر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.