مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (95)

أما قوله تعالى : { ولن يتمنوه } فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة ، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي .

وأما قوله تعالى : { أبدا } فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان .

وأما قوله تعالى : { بما قدمت أيديهم } فبيان للعلة التي لها لا يتمنون [ الموت ] لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت .

وأما قوله تعالى : { والله عليم بالظالمين } فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا : { ولن يتمنوه أبدا } وقال في سورة الجمعة : { ولا يتمنونه أبدا } فلم ذكر ههنا ( لن ) وفي سورة الجمعة { لا } قلنا : إنهم في هذه السورة ، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ : «لن » لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ «لا » لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (95)

94

95-ولن يتمنوا أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . أي : لا يتمنى اليهود الموت أبدا بسبب ما قدمت أيديهم من آثام ، والله عز وجل لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم بل هو سيسجلها عليهم ويجازيهم عليها الجزاء الذي يستحقونه .

واختار ابن كثير في تفسيره أن المراد من الآيتين الدعاء بالموت على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة .

روى عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن ذلك يكون عن طريقة المباهلة بأن يحضروا مع المؤمنين في صعيد واحد ثم يدعوا الفريقان بالموت على الكاذب منها .

وروى ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال : «لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه » ( 229 ) . وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس . وروى ابن جرير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا » رواه الإمام أحمد( 230 ) .

وعلق ابن كثير على الكلام السابق بقوله :

وهذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين ، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب : منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة ، نقله ابن جرير عن قتادة وأبى العالية والربيع بن أنس ، نظير هذه الآية في قوله تعالى في سورة الجمعة : قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين( 6 ) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين( 7 ) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون( 8 ) . ( الجمعة6-8 ) .

فهم عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أنبياء الله وأحباؤه ، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، دعوا إلى المباهلة والدعاء إلى أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون ، لأنهم لو كانوا جاذمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك ، فلما تأخروا علم كذبهم ، وهذا كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة ، فقال تعالى : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين . ( آل عمران : 61 ) .

فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض : والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف ، فعند ذلك جنحوا إلى السلم وبذل الجزية عن يد وهم صاغرون ، فضربها عليهم وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أمينا ، ومثل هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى لنبيه أن يقول للمشركين : قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدا . أي من كان في الضلالة منا أو منكم فزاده الله مما هو فيه ومد له واستدرجه( 231 ) .

وقد انتصر ابن كثير لرأى ابن عباس وبين أنه هو المتعين في تفسير الآية . وهاجم رأى جمهور المفسرين الذين قالوا معنى . إن كنتم صادقين . في دعواكم فتمنوا الموت الآن ، لم يتعرض هؤلاء للمباهلة .

وقد انتصر بعض المفسرين المحدثين لرأى الجمهور ورجحه لأنه اقرب إلى موافقة اللفظ الذي نطقت به الآية وأقرب أيضا إلى معناها( 232 ) .

وأرى أن كلا التفسيرين محتملان في فهم الآية ولا حاجة بنا إلى إبطال أحدهما ولا يمنع أن يفهم منها المعنى الآخر ، ومن أسرار الإعجاز القرآني ، أن الآية تفيد معنى وتشير إلى معنى وتستتبع معنى .

وهي في ذاتها قطعة من الأدب الرفيع على السبك المحكم أو الرد المفحم أو الحجة البالغة .

ولعل من المعاني التي تشير إليها الآية أن المؤمن لا يهاب الموت ولا يرهب الردى ثقة منه بأن أجله محدود ، ورزقه مقسوم ، والموت رحلة إلى الآخرة ، يشاهد فيها المؤمن ما أعد للأبرار ، ويقدم على العزيز الغفار ، مطمئنا راضيا مرضيا .

وقد روي عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم تمنى الموت عند القتال ، معبرين بألسنتهم عما يجول في صدورهم ، من صدق الإيمان بما أعد للمؤمنين من الدار الآخرة ، فقد جاء في الأخبار أن عبد الله بن رواحة كان ينشد وهو يقاتل الروم :

يا حبذا الجنة واقترابها **** طيبة وبارد شرابها

وأن عمار بن ياسر قال في حرب صفين :

غدا نلقى الأحبه **** محمدا وصحبه

ويقول الشاعر :

أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه ****حرصا عليها مستلهما بها صبا

فحب الجبان النفس أرده التقى**** وحب الشجاع النفس أورده الحربا