قوله تعالى : { ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .
القصة الثانية : قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام
أما قوله تعالى : { علما } فالمراد طائفة من العلم أو علما سنيا عزيزا ، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو ، كقولك أعطيته فشكر ؟ جوابه : أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات ، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقا بهما فلا جرم صار كأنه قال : ولقد آتيناهما علما ، فعملا به قلبا وقالبا ، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا .
وأما قوله تعالى : { الحمد الله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } ففيها أبحاث :
أحدها : أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير . وثانيها : في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم . وثالثها : أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع . ورابعها : أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم ، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره ، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم ، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سببا لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جليا بحيث يصير المرء مستغرقا فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات .
قصة داود وسليمان عليهما السلام
{ ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ( 15 ) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين( 16 ) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون( 17 ) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون( 18 ) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين( 19 ) } .
15-{ ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين }
تأتي هذه القصة بعد ذكر فضل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وفضله على رسوله موسى عليه السلام ، وذكر جانب من قصته ، ثم ذكر جانب يسير عن داود عليه السلام ، وقد آتاه الله الرسالة والنبوة ، والملك والعلم والقضاء ، وألان له الحديد ، كما منحه الصوت الحسن . وتلاوة الزبور ، حيث كانت الجبال والطير والكون تردد الزبور خلفه ، فقد آتاه الله علما نافعا ، وألهمه الشكر والاعتراف بالفضل لله العلي الكبير ، كما منّ الله على سليمان بعلوم متعددة ، منها معرفة لغة الطير ، وفهم أحكام القضاء ، وتسخير الرياح والجن والشياطين لخدمته ، كما وفقه الله للشكر ، وفي الآية فضل العلم ، وإعلاء درجته على درجات الملك ، وقد أشاد القرآن الكريم بالعلم والعلماء .
قال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات . . }[ المجادلة : 11 ]
وقال سبحانه : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . . . } [ الزمر : 9 ] .
وقال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء . . } [ فاطر : 28 ] .
وقد سعى موسى لتعلم العلم من الخضر وقال له : { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } [ الكهف : 66 ] .
{ وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين }
أي : قال الأب والابن : الشكر لله تعالى الذي منحنا الملك والنبوة والعلوم المتعددة ، وفضلنا بهذه المنح والعطايا ، على كثير من عباده المؤمنين ، الذين لم يؤتهم مثل ما آتانا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.