مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ} (49)

ثم قال تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } قوله { في صدور الذين أوتوا العلم } إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين ، لأن من يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلبي وخاطري ، وإذا حفظه من غيره يقول إنه في قلبي وصدري ، فإذا قال : { في صدور الذين أوتوا العلم } لا يكون من صدر أحد منهم ، والجاهل يستحيل منه ذلك ظهور له من الصدور ويلتحقون عنده هذه الأمة بالمشركين ، فظهوره من الله .

ثم قال تعالى : { وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } قال ههنا { الظالمون } ، ومن قبل قال { الكافرون } مع أن الكافر ظالم ولا تنافي بين الكلامين وفيه فائدة ، وهي أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين ، فلفظ الكافر هناك كان بليغا يمنعهم من ذلك لاستنكافهم عن الكفر ، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين حكما ، وتلتحقون عند هذه الآية بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين ، أي مشركين ، كما بينا أن الشرك ظلم عظيم ، فهذا اللفظ ههنا أبلغ وذلك اللفظ هناك أبلغ .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ} (49)

{ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } .

المفردات :

الظالمون : الذي ظلموا أنفسهم وجحدوا وجه الحق .

التفسير :

القرآن العظيم حفظه الله من التغيير والتبديل بطريقتين الأولى : حفظه في الصدور والثانية : حفظه في السطور .

فقد كان المسلمون يهدرون بالقرآن ليلا ونهارا ، سحرا وقبل الفجر في السلم والحرب ، وكانت أناجيلهم صدورهم ، يقرؤون عن ظهر قلب كما أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ لنفسه كتابا يكتبون الوحي على العظام ، وجريد النخل والكاغد وهو الورق الغليظ- وما تيسر لهم من وسائل الكتابة .

وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب في السطور .

ثم استشهد سبعون من القراء في معركة اليمامة ، فأشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن في كتاب واحد ، فعهد أبو بكر إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي بكتابة المصحف في كتاب واحد خشية أن يضيع منه شيء بموت القراء .

وقد كان القرآن يقرأ على سبعة أحرف فتغالط القراء وتعصب كل حافظ للقرآن للطريقة والقراءة التي حفظ بها ، فأشار المسلمون على عثمان بكتابة المصحف باللغة القرشية ، على لهجة واحدة وهي اللغة الأم وإحراق ما عداها من اللهجات .

وظل المصحف العثماني في يد المسلمين إلى يومنا هذا ، فالجمع في عهد أبي بكر بمعنى تدوين القرآن كاملا في كتاب واحد ، والجمع في عهد عثمان هو كتابة القرآن باللغة العربية الفصحى ، ونشر القرآن في المدن الرئيسية وإحراق اللهجات العربية الأخرى ، وجمع الناس جميعا على المصحف الإمام الذي تكفل الله بحفظه فقال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) .

فالقرآن آيات بينات ظاهرة واضحة الصدق ، في صدور الصحابة والحافظين وإعجازه واضح للعيان ودلائل صدقه واضحة ، فهو لم يصطدم بالعلم وأتى بمعجزات غيبية وعلمية وأسلوبية وبلاغية ، تؤكد أنه من عند الله تعالى وليس من صنع بشر ، فقد تكلم القرآن عن مراحل تكون الجنين في بطن أمه وأشار إلى بدء الخليقة ، وإلى خلق السماوات والأرض ، وإلى قلة الأكسجين في طبقات الجو العليا وإلى تطور العلوم في آفاق الكون وآفاق النفس وتميز القرآن بالصحة والصواب وعدم الاضطراب قال تعالى :

{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ( النساء : 82 ) .

{ وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } .

أي : المتعدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه .

***