مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} (72)

المسألة الثانية : قال { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولا ، ثم نفخ الروح ثانيا ، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس .

أما الجسد فإنه إنما يتولد من المني ، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة ، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة ، ولا بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها ، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركيباتها ، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة .

وأما النفس فإليها الإشارة بقوله : { ونفخت فيه من روحي } ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي ، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة ( من ) تدل على التبعيض ، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى ، وهذا غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل ، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث .

وأما كيفية نفخ الروح ، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية ، علوية العنصر ، قدسية الجوهر ، وهي تسري في البدن سريان الضوء في الهواء ، وسريان النار في الفحم ، فهذا القدر معلوم . أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى .

المسألة الثالثة : الفاء في قوله : { فقعوا له ساجدين } تدل على أنه كما تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود ، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض ، أو دخل فيه ملائكة السماوات مثل جبريل وميكائيل ، والروح الأعظم المذكور في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ففيه مباحث عميقة . وقال بعض الصوفية : الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم ، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية ، فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة ، وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل ، والكلام فيه طويل . وأما بقية المسائل وهي : كيفية سجود الملائكة لآدم ، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافرا ، أصليا أم لا ، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} (72)

71

المفردات :

سويته : أتممته وعدّلته وأتممت خلقته .

ونفخت فيه من روحي : ومنحته الحياة ببث الروح فيه ، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه .

فقعوا له : فخروا له ، أو اسقطوا له .

ساجدين : سجود تحية لا سجود عبادة .

التفسير :

72- { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } .

فإذا أتممت خلقه وسويته وعدّلته ، فخروا له ساجدين ، سجود تحية لا سجود عبادة ، وقد كرّم الله الإنسان بهذه الروح فهي نفخة تكريم ، أكرم الله بها الإنسان ، وبذلك صار أهلا لمناجاة الله ، وعبادته والتبتّل إليه ، وذكره وشكره ، وكلما سما بهذه الروح زاد صفاء ونقاء ، وطهرا وبركة وتوفيقا ، وفي الحديث القدسي يقول النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل : ما تقرب عبدي إليّ بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته ، كنتُ سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن سألني لأعطينه " {[580]} . ( رواه البخاري ) .


[580]:وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه: رواه البخاري في الرقاق (6502) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا اكره مساءته ". قلت تفرد به البخاري وهو من رواية خالد بن مخلد، وقد قال بعضهم: لولا هيبة الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد.