فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} (72)

ومعنى { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } صورته على صورة البشر وصارت أجزاؤه مستوية وأتممته .

{ وَنَفَخْتُ } أي أجريت { فِيهِ مِنْ رُوحِي } أي من الروح الذي أملكه ، ولا يملكه غيري وقيل هو تمثيل ولا نفخ ولا منفوخ فيه ، والمراد جعله حيا بعد أن كان جمادا لا حياة فيه ، ويأباه ظاهر النظم الكريم فالأول أولى ، وقد مر الكلام عليه في سورة النساء والنفخ إجراء الروح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها وإضافة الروح إليه تشريف لآدم عليه السلام والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه وبه قال جمهور المتكلمين قاله الكرخي ؛ وقال النووي في شرح مسلم إنه الأصح عند أصحابنا ، وهو مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر ، وقال كثير منهم إنها عرض وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حيا ، وقال الفلاسفة وكثير من الصوفية إنها ليست بجسم ولا عرض ، بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز ، متعلق للبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه ووافقهم على ذلك الغزالي والراغب .

واحتج للأول بوصفها في الأخبار بالهبوط والعروج والتردد في البرزخ اه .

وقيل جوهر شريف قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء أو كسريان النار في الفحم ، ذكره الخازن ، وأقول علم الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه ، ولا يعلمه أحد من خلقه كائنا ما كان ، والخوض في معرفته من فضول الأعمال ولغو الكلام ، وقد قال الله عز وجل { قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } .

{ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } هو أمر من وقع يقع ، والسجود هنا هو سجود التحية لا سجود العبادة ، وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد الانحناء كما قيل ، أي اسقطوا له ساجدين ، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة .