ثم قال تعالى : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } والسر ما ينطوي عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى : { وقربناه نجيا } وقوله : { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } وقوله : { فلا تتناجوا بالإثم والعدوان وتناجوا بالبر والتقوى } وقوله : { إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } .
إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ؟
ثم قال : { وأن الله علام الغيوب } والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائبا عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالما بما في الضمائر والسرائر ، فكيف يمكن الإخفاء منه ؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام : { إنك أنت علام الغيوب } فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال .
سرهم : أي : ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق .
نجواهم : أي : ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين .
78 – { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } .
والاستفهام في أول الآية للتوبيخ والتهديد والتقريع .
والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله مطلع على ما يخفونه في صدورهم من النفاق ، وما يتناجون به أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين ، وأن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم ؛ فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو عالم بالسر والنجوى ، وهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، ويعلم ما ظهر وما بطن ، هو سبحانه يعلم كل ذلك ، ويعلم ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه . فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به ؟ !
من الأحكام والآداب التي أخذها من هذه الآيات ما يأتي :
1 – وجوب الوفاء بالعهد ؛ فإن نقض العهود ، وخلف الوعد ، والكذب على الله ؛ يورث النفاق فإذا عاهد المؤمن ربه في أمر ؛ فليجتهد في الوفاء به .
2 – أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة في ذلك ، وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول الصدقة من ثعلبة أو غيره ، بما كانت للأسباب الآتية :
( أ ) إهانته ؛ ليعتبر غيره به ، فلا يتخلف أحد عن إخراج الزكاة في وقتها .
( ب ) ربما جاء بها على وجه الرياء ؛ خوفا من الفضيحة ، ومن كلام الناس ، وأعلم الله رسوله بذلك فلم يقبل منه الصدقة .
( ج ) الزكاة لتطهير النفوس وتزكيتها ، ولعل هذا لم يكن حاصلا في ثعلبة أو غيره ؛ فلهذا امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول تلك الصدقة .
3 – النفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله ؛ فينبغي أن نوطّن النفس على طاعة الله ، وأن نجبرها إجبارا على مخالفة الهوى والشيطان ، وإيثار ما عند الله على كل شيء من حطام الدنيا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.