مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ} (162)

وأما قوله تعالى : { خالدين فيها } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الخلود اللزوم الطويل ، ومنه يقال : أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه .

المسألة الثانية : العامل في ( خالدين ) الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه معنى الاستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك : عليهم المال صاغرين .

المسألة الثالثة : { خالدين فيها } أي في اللعنة ، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } والأول أولى لوجوه . ( الأول ) : أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر . ( الثاني ) : أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار ، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى . ( الثالث ) : أن قوله : { خالدين فيها } إخبار عن الحال ، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال ، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال ، بل لا بد من التأويل ؛ فكان ذلك أولى ، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة . ( أحدها ) : الخلود وهو المكث الطويل عندنا ، والمكث الدائم عند المعتزلة ، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( وثانيها ) : عدم التخفيف ، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها ، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض ، فإن قيل : هذا التشابه ممتنع لوجوه ( الأول ) : أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب ، كان ذلك كالتخفيف منه . ( الثاني ) : أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفا ( الثالث ) : أنهم حيثما يخاطبون بقوله : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت ( أجابوا عنه ) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة ، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت ؛ قالوا : ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه ، وجب أن يكون دائما لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه ، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم ، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الانقطاع أكثر .

( الصفة الثالثة ) : من صفات ذلك العقاب : قوله : { ولا هم ينظرون } والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى : { فنظرة إلى ميسرة } والمعنى : إن عذابهم لا يؤجل ، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى ، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون ، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون ، وقيل لهم { اخسئوا فيها ولا تكلمون } نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الانقطاع والتخفيف والتأخير .