مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (76)

المسألة الثالثة : احتج القاضي بقوله تعالى : { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله { وما ظلمناهم } وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه ؟ أو ليس لو أثبتناه ظلما لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عز وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معا ، فلم يكن ذلك ظلما من الله . قلنا : عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى ، فكأنه لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالما لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالما في فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد ، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا .

واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره ، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده ، فإن رآه واردا على مذهبه بعينه لم يذكره والله أعلم .

المسألة الرابعة : قرأ ابن مسعود { من مال } بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ { ونادوا يا مالك } فقال : ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم وأجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها .