روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَـٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (152)

{ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة ، ودخول بين على { أَحَدٌ } قد مرّ الكلام فيه . والموصول مبتدأ خبره جملة قوله : { أولئك } أي المنعوتون بهذه النعوت الجليلة { سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ } أي الله تعالى { أُجُورَهُمْ } الموعودة لهم ، فالإضافة للعهد . وزعم بعضهم أن الخبر محذوف أي أضدادهم ومقابلوهم ، والاتيان بسوف لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر لا الإخبار بأنه متأخر إلى حين ، فعن الزمخشري أن يفعل الذي للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته ؛ فإذا دخل عليه سوف أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطي ماليس فيه من أصله فهو في مقابلة لن ومنزلته من يفعل منزلة لن من لا يفعل لأن لا لنفي المستقبل فإذا وضع لن موضعه أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل فإذاً كل واحد من لن وسوف حقيقته التوكيد ، ولهذا قال سيبويه : لن يفعل نفي سوف يفعل وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال : أولئك هم المؤمنون حقاً مع استفادته مما دل على الضدية ، وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة . وقرأ نافع وابن كثير وكثير نؤتيهم بالنون فلا التفات .

{ وَكَانَ الله غَفُوراً } لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي والآثام { رَّحِيماً } بهم فيضاعف حسناتهم ويزيدهم على ما وعدوا . .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } وهم المؤمنون جمعاً وتفصيلاً لا يحجبهم جمع عن تفصيل ولا تفصيل عن جمع كالسادة الصادقين من أهل الوحدة { أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } من الجنات الثلاث { وَكَانَ الله غَفُوراً } يستر ذواتهم وصفاتهم { رَّحِيماً } [ النساء : 152 ] يرحمهم بالوجود الموهوب الحقاني والبقاء السرمدي

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَـٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (152)

قوله تعالى : { وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً والذين آمنوا بالله ورسله } ، كلهم .

قوله تعالى : { ولم يفرقوا بين أحد منهم } ، يعني : بين الرسل ، وهم المؤمنون ، يقولون : لا نفرق بين أحد من رسله .

قوله تعالى : { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } بإيمانهم بالله ، وكتبه ، ورسله ، قرأ حفص عن عاصم { يؤتيهم } بالياء ، أي : يؤتيهم الله ، والباقون بالنون .

قوله تعالى : { وكان الله غفوراً رحيماً } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَـٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (152)

وقوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) المراد بذلك أمة محمد ( ص ) ، فقد آمنوا بالله خالقا عظيما مبدعا ، إلها ليس كمثله شيء وليس له من خلقه نديد أو شريك . وأمنوا كذلك بالنبيين والمرسلين جميعا دون استثناء ، يستوي في ذلك كليم الله موسى ، وهو من الرسل الأعاظم في بني إسرائيل ، ثم المسيح بن مريم كلمة الله ألقاها إلى العذراء البتول وحجة الله على الناس في هذه الدنيا ويوم الدين . لقد آمن المسلمون إيمانهم ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله فلم يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض مثلما فعل أصحاب الديانات السالفة ، ولكنهم آمنوا بهم جميعا بغير تفريق .

هذه هي أمة الإسلام ، أمة النبي الخاتم محمد ( ص ) ، وهي خير الأمم بحق وجدارة لما يتجلى فيها من خصائص كبرى لم تتيسر لغيرها من الأمم من الغابرين . وهي خصائص تتبدى في اكتمال دينها بما يتسم من اتساع ومرونة وشمول يتناول أطراف الحياة كلها ، ويغطي حاجات الإنسان جميعها سواء في ذلك حاجات النفس أو البدن أو العقل أو الروح .

هذه هي أمة الإسلام التي تقوم على العقيدة المتينة المستنيرة ، وعلى الفكر العميق السليم والتصور السوي المستقيم بعيدا عن الهوى والتعصب الذميم فلا جرم أن تكون رائدة الأمم لتقود قوافل البشر عبر الأدهار والسنين إلى السعادة والسلامة والرخاء . ولا جرم أن يثيب الله هذه الأمة خير الثواب ، وأن يغفر لها الذنوب والخطايا برحمة منه وفضل{[850]} .


[850]:- روح المعاني جـ 6 ص 3-5، وتفسير القرطبي جـ 6 ص 5-6، وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 571.