{ وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا } شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل ، وهو عطف على { جنات } [ الأنعام : 141 ] والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بهما . والجار والمجرور متعلق بأنشأ . والحمولة ما يحمل عليه لا واحد له كالركوبة . والمراد به ما يحمل الأثقال من الأنعام وبالفرش ما يفرش للذبح أو ما يفرش المنسوج من صوفه وشعره ووبره ، وإلى الأول ذهب أبو مسلم وروي عن الربيع بن أنس . وإلى الثاني ذهب الجبائي ، وقيل : الحمولة الكبار الصالحة للحمل والفرش الصغار الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها ، وروي ذلك عن ابن مسعود لكنه رضي الله تعالى عنه خص ذلك بكبار الإبل وصغارها وهو إحدى روايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وفي رواية أخرى الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه والفرش الغنم .
{ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى وهو الحلال فمن تبعيضية . والرزق شامل للحلال والحرام ، والمعتزلة خصوه بالحلال كما تقدم أوائل الكتاب وادعوا أن هذه الآية أحد أدلتهم على ذلك وركبوا شكلاً منطقياً أجزاؤه سهلة الحصول تقديره الحرام ليس بمأكول شرعاً وهو ظاهر والرزق ما يؤكل شرعاً لقوله تعالى : { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } [ الأنعام : 142 ] فالحرام ليس برزق . وأنت تعلم أن هذا إنما يفيد لو صدق كل رزق مأكول شرعاً ، والآية لا تدل عليه ، أما إذا كانت تبعيضية فظاهر ، وأما إن كانت ابتدائية فلأنه ليس فيها ما يدل على تناول الجميع ، وقيل : معنى الآية استحلوا الأكل مما أعطاكم الله تعالى .
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ } في أمر التحليل والتحريم بتقليد أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه : { خطوات الشيطان } أي طرقه فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة فقد أخرج آدم عليه السلام من الجنة وقال : { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 62 ] أعاذنا الله تعالى والمسلمين من شره إنه الرحمن الرحيم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمِنَ الانعام } أي قوى الإنسان { حَمُولَةً } ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع { وَفَرْشًا } ما هو مستعد لإصلاح القالب وقيام البشرية { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } وهو مختلف فرزق القلب هو التحقيق من حيث البرهان ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان . ورزق السر هو شهود العرفان بلحظ العيان { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } بالميل إلى الشهوات الفانية والاحتجاب بالسوي { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [ الأنعام : 142 ] يريد أن يحجبكم عن مولاكم والله تعالى الموفق لسلوك الرشاد .
قوله تعالى : { ومن الأنعم حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطن إنه لكم عدو مبين } حمولة ، منصوب بالعطف على جنات . وتقديره : وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا{[1296]} والحمولة : كبار الإبل التي يحمل عليها . وقيل : المراد بها ما يحمل عليه من الأنعام ولا واحد لها من لفظها . والمراد بالفرش : صغار الإبل التي لا يحمل عليها وقيل : ما يفرش المنسوج من صوفه وشعره ووبره . ذلك من منن الله على عباده ، إذ خلق لهم من الأنعام ما يحملون عليه أثقالهم أو يستغلونه للدفء والأكل .
قوله : { كلوا مما رزقكم } الأمر في قوله : { كلوا } للإباحة . ومن ، في قوله : { مما } للتبعيض . والرزق بعمومه شامل للحلال والحرام ، فالمراد هنا : كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى وهو الحلال .
قوله : { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } خطوات يعني طرقه وأوامره في التحليل والتحريم . أي لا تتبعوا أوامر الشيطان وإغواءه بتحريم ما أحل الله من الأنعام كتحريم البحيرة والسائبة وغيرهما من الأنعام ، وكذلك تحريم ما جعلوه من الحرث نصيبا لله افتراء عليه .
قوله : { إنه لكم عدو مبين } الشيطان ظاهر العداوة للإنسان فهو عدوه القديم الألد ، إذ أخرج آدم من الجنة بكيده وخداعه وحسده . وما فتئ الشيطان يناصب الإنسان العداوة والإغواء والتضليل حتى يهوي في الفسق والفساد كيما يتردى معه يوم القيامة في جهنم . وسيظل الشيطان على حاله من فرط الخبث والحسد والكيد لبني آدم وهو يزين لهم الحرام وينفرهم من الحلال ويغريهم بفعل المنكرات جميعها ليكونوا أشقياء تعساء في هذه الدنيا وليتقاحموا في النار معذبين يوم القيامة . أعاذنا الله من كيد الشيطان وإغوائه وإغرائه{[1297]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.