{ وكذلك } عطف على { كذلك نَقُصُّ } [ طه : 99 ] والإشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال { أنزلناه } أي القرآن كله وهو تشبيه لإنزال الكل بإنزال الجزء والمراد أنه على نمط واحد ، وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } ليفهمه العرب ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجاً عن طوق الآدميين نازلاً من رب العالمين { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } أي كرر نافيه بعض الوعيد أو بعضاً من الوعيد ، والجملة عطف على جملة { أنزلناه } وجعلها حالاً قيد للإنزال خلاف الظاهر جداً .
{ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المفعول محذوف وتقدم الكلام في لعل ، والمراد لعلهم يتقون الكفر والمعاصي بالفعل { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } أي عظة واعتباراً مؤدياً في الآخرة إلى الاتقاء ، وكأنه لما كانت التقوى هي المطلوبة بالذات منهم أسند فعلها إليهم ولما لم يكن الذكر كذلك غير الأسلوب إلى ما سمعت كذا قيل ، وقيل : المراد بالتقوى ملكتها ، وأسندت إليهم لأنها ملكة نفسانية تناسب الإسناد لمن قامت به ، وبالذكر العظة الحاصلة من استماع القرآن المثبطة عن المعاصي ، ولما كانت أمراً يتجدد بسبب استماعه ناسب الإسناد إليه ، ووصفه بالحدوث المناسب لتجدد الألفاظ المسموعة ، ولا يخفى بعد تفسير التقوى بملكتها على أن في القلب من التعليل شيئاً .
وفي «البحر » أسند ترجي التقوى إليهم لأن التقوى عبارة عن انتفاء فعل القبيح وذلك استمرار على العدم الأصلي ، وأسند ترجي أحداث الذكر للقرآن لأن ذلك أمر حدث بعد أن لم يكن انتهى ، وهو مأخوذ من كلام الإمام وفي قوله : لأن التقوى إلى آخره على إطلاقه منع ظاهر ، وفسر بعضهم التقوى بترك المعاصي والذكر بفعل الطاعات فإنه يطلق عليه مجاز لما بينهما من السببية والمسببية فكلمة أو على ما قيل للتنويع ، وفي الكلام إشارة إلى أن مدار الأمر التخلية والتحلية . والإمام ذكر في الآية وجهين ، الأول : أن المعنى إنما أنزلنا القرآن ليصيروا محترزين عن فعل ما لا ينبغي أو يحدث لهم ذكراً يدعوهم إلى فعل ما ينبغي فالكلام مشير أيضاً إلى التخلية والتحلية إلا أنه ليس فيه ارتكاب المجار ، والثاني : أن المعنى أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً ، ولا يخفى أن هذا ليس بشيء ، وقال الطيبي : إن المعنى وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً أي فصيحاً ناطقاً بالحق ساطعاً بيناته لعلهم يحدث لهم التأمل والتفكر في آياته وبيناته الوافية الشافية فيذعنون ويطيعون وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون العذاب ، ففي الآية لف من غير ترتيب وهي على وزان قوله تعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وعندي كون الآية متضمنة للتخلية والتحلية لا يخلو عن حسن فتأمل .
وقرأ الحسن { أَوْ يُحْدِثُ } بسكون الثاء ، وقرأ عبد الله . ومجاهد . وأبو حيوة . والحسن في رواية . والجحدري . وسلام { أَوْ } بالنون وسكون الثاء وذلك حمل وصل على وقف أو تسكين حرف الإعراب استثالاً لحركته كما قال ابن جني نحو قول امرئ القيس :
اليوم أشرب غير مستحقب *** إثماً من الله ولا واغل
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم *** ونهر تيري ولا يعرفكم العرب
قوله تعالى : { وكذلك } أي كما بينا في هذه السورة ، { أنزلناه } يعني : أنزلنا هذا الكتاب ، { قرآناً عربياً } يعني : بلسان العرب ، { وصرفنا }يعني : بينا { فيه من الوعيد } أي : صرفنا القول فيه بذكر الوعيد ، { لعلهم يتقون } ، أي يجتنبون الشرك ، { أو يحدث لهم ذكراً } ، أي يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عتاب الله للأمم الخالية .
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله المزيد من العلم فقال - تعالى - : { وكذلك . . . . } .
وقوله - سبحانه - : { وكذلك أَنزَلْنَاهُ . . . } معطوف على قوله : { كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ . . . } والكاف للتشبيه ، واسم الإشارة يعود على إنزال ما سبق من آيات .
أى : ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص ، أنزلنا عليك يا محمد القرآن كله ، فما نزل منه متأخرا يشبه فى هدايته وإعجازه ما نزل منه متقدما .
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله { قُرْآناً عَرَبِيّاً } أى : بلغة العرب ، لكى يفهموه ويقعوا على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز للبشر .
وقوله : { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } معطوف على { أَنزَلْنَاهُ } أى : أنزلناه قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل التخويف والتهديد .
{ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أى : لعل الناس يتقون - بسبب ذلك - الوقوع فى الكفر والفسوق والعصيان ، ويجتنبون الآثام والسيئات ، ويصونون أنفسهم عن الموبقات فمعمول { يَتَّقُونَ } محذوف .
وقوله - سبحانه - : { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } بيان لحكمة أخرى من الحكم التى من أجلها أنزل الله القرآن الكريم .
أى : أنزلناه بهذه الصفة ، وجعلناه مشتملا على ضروب من الوعيد ، لعل قومك - أيها الرسول الكريم - يتقون الكفر والمعاصى ، أو لعل القرآن يحدث فى نفوسهم { ذِكْراً } .
أى : اتعاظا واعتبارا يصرفهم عن التردى فيما تردت فيه الأمم السابقة من آثام وموبقات أدت إلى هلاكها .
وقال - سبحانه - : { أَنزَلْنَاهُ } بالإضمار مع أن القرآن لم يسبق له ذكر فى الآيات السابقة ، للإيذان بنباهة شأنهن وعلو قدره ، وكونه مركوزا فى العقول ، حاضرا فى الأذهان والقلوب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.