روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (91)

{ ءالآنَ } الاستفهام للإنكار والتوبيخ ، والظرف متعلق بمحذوف يقدر مؤخراً أي الآن تؤمن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات ، وقدر مؤخراً ليتوجه الإنكار والتوبيخ إلى تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه ، والكلام على تقدير القول أي فقيل له ذلك وهو معطوف على { قَالَ } [ يونس : 90 ] وهذا إلى { ءايَةً } [ يونس : 92 ] حكاية لما جرى منه سبحانه من الغضب على المحذوف ومقابلة ما أظهره بالرد الشنيع وتقريعه بالعصيان والإفساد إلى غير ذلك ، وفي حذف الفعل المذكور وإبراز الخبر المحكي في صورة الإنشاء من الدلالة على عظم السخط وشدة الغضب ما لا يخفى . والقائل له ذلك قيل : هو الله تعالى ، وقيل : هو جبريل عليه السلام ، وقيل : إنه ميكائيل عليه السلام . فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل عليه السلام : «ما أبغضت شيئاً من خلق الله تعالى ما أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبى أن يسجد وما أبغضت شيئاً أشد بغضاً من فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله تعالى عليه أشد غضباً مني فأمر ميكائيل فأتاه فقال آلآن " الخ وما تضمنه هذا الخبر من فعل جبريل عليه السلام جاء في غير ما خبر . ومن ذلك ما أخرجه الطيالسي . وابن حبان . وابن جرير . وابن المنذر . وابن مردويه . والبيهقي في الشعب . والترمذي . والحاكم وصححاه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل : لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة " . واستشكل هذا التعليل .

وفي «الكشاف » أن ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته عليهم السلام : وفيه جهالتان : إحداهما : أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس فحال البحر لا يمنعه . والأخرى : أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر ، وارتضاه ابن المنير قائلاً : لقد أنكر منكراً وغضب لله تعالى وملائكته عليهم السلام كما يجب لهم ، والجمهور على خلافه لصحة الحديث عند الأئمة الثقات كالترمذي المقدم على المحدثين بعد مسلم . وغيره . وقد خاضوا في بيان المراد منه بحيث لا يبقى فيه إشكال .

ففي إرشاد العقل السليم أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية أي النجاة التي هي طلبة المخذوف وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في إيمان قوم يونس عليه السلام حتى يلزم من كراهته ما لا يتصور في شأن جبريل عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس فيحمل دسه عليه السلام على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة الحرد انتهى .

/ ولا يخفى أن حمل الرحمة على الرحمة الدنيوية بعيد ويكاد يأبى عنه ما أخرجه ابن جرير . والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل عليه السلام : لو رأيتني يا محمد وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى فيغفر له » فإنه رتب فيه المغفرة على إدراك الرحمة وهو ظاهر في أنه ليس المراد بها الرحمة الدنيوية لأن المغفرة لا تترتب عليها وإنما يترتب عليها النجاة .

وقال بعض المحققين : إنما فعل جبريل عليه السلام ما فعل غضباً عليه لما صدر منه وخوفاً أنه إذا كرر ذلك ربما قبل منه على سبيل خرق العادة لسعة بحر الرحمة الذي يستغرق كل شيء ، وأما الرضا بالكفر فالحق أنه ليس بكفر مطلقاً بل إذا استحسن وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه كما في التأويلات لعلم الهدى انتهى ، وقد تقدم آنفاً ما يتعلق بهذه المسألة فتذكره فما في العهد من قدم ، نعم قيل : إن الرضا بكفر نفسه إنما يكون وهو كافر فلا معنى لعده كفراً والكفر حاصل قبله ، وهو على ما له وما عليه بحث آخر لا يضر فيما نحن فيه .

والطيبي بعد أن أجاب بما أجاب أردف ذلك بقوله : على أنه ليس للعقل مجال في مثل هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس ، وقد يقال : إن الخبر متى خالف صريح العقل أو تضمن نسبة ما لا يتصور شرعاً في حق شخص إليه ولم يمكن تأويله على وجه يوافق حكم العقل ويندفع به نسبة النقص لا يكون صحيحاً ، واتهام الراوي بما يوهن أمر روايته أهون من اتهام العقل الصريح ونسبة النقص إليه دون نسبة النقص إلى من شهد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بعصمته وكماله فتأمل والله تعالى الموفق ، وقوله سبحانه : { وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } في موضع الحال من فاعل الفعل . العامل في الظرف جىء به لتشديد التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيره لما عسى يعد عذراً بل كان ذلك على طريقة الرد والاستعصاء والإفساد فإن قوله تعالى : { وَكُنتَ مِنَ المفسدين } عطف على { عَصَيْتُ } داخل في حيز الحال والتحقيق أي وقد كنت من المفسدين الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان فهذا عبارة عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصد بني إسرائيل عن السبيل والأول عن عصيانه الخاص به .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (91)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره معرّفا فرعون قبح صنيعه أيام حياته وإساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه في طغيانه ومعصيته ربه حين فزع إليه في حال حلول سخطه به ونزول عقابه، مستجيرا به من عذابه الواقع به لما ناداه وقد علته أمواج البحر وغشيته كرب الموت:"آمَنْتُ أنّهُ لا إلَهَ إلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ" له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية: "آلآن "تقرّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك وكنت من المفسدين في الأرض الصّادّين عن سبيله؟ فهلاّ وأنت في مهل وباب التوبة لك منفتح أقررت بما أنت به الآن مقرّ؟

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ومعنى الآية حكاية ما قيل لفرعون حين قال "آمنت أنه لا اله لا الذي آمنت به بنوا اسرائيل "بانك تقول هذا في هذه الساعة "وقد عصيت قبل" هذا "وكنت من المفسدين" في الأرض بقتل المؤمنين وادعاء الإلهية، وغير ذلك من أنواع الكفر!.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أَبْعَدَ طولِ الإمهال، والإصرار على ذميم الأفعال، والرَّكْضِ في ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

...هذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه، وهذا اللفظ يحتمل أن بكون مسموعاً لفرعون من قول ملك موصل عن الله وكيف شاء الله، ويحتمل أن كون معنى هذا الكلام معنى حاله وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة المعاين.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

وزاده تعالى ذلاً بالإيئاس من الفلاح بقوله على لسان الحال أو جبريل عليه السلام أو ملك الموت أو غيره من الجنود عليهم السلام: {آلآن} أي أتجيب إلى ما دعيت إليه في هذا الحين الذي لا ينفع فيه الإجابة لفوات الإيمان بالغيب الذي لا يصح أن يقع اسم الإيمان إلا عليه {وقد} أي والحال أنك قد {عصيت} أي بالكفر {قبل} أي في جميع زمان الدعوة الذي قبل هذا الوقت، ومعصية الملك توجب الأخذ والغضب كيف كانت، فكيف وهي بالكفر! {وكنت} أي كوناً جبلياً {من المفسدين} أي العريقين في الفساد والإفساد.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِين} أي أتسلم الآن، أو تدعي الإسلام وإذعان الطاعة والانقياد حيث لا محل له ولا إمكان بما حال دونه من الهلاك، وقد عصيت قبله، وكنت من المفسدين في الأرض، الظالمين للعباد، والمراد أن دعوى الإسلام الآن باطلة، والإيمان بدون الإسلام مع إمكانه لا يقبل، فكيف يقبل وقد صار اضطرارا لا معنى لقبوله؛ لأنه انفعال لا فعل لصاحبه...

وقد تقدم مثل هذا الاستفهام الإنكاري في هذه السورة، وهو قوله تعالى في المكذبين بوعد الله تعالى ووعيده بما كان يحملهم على استعجال عذابه: {أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون} [يونس: 51]، وسيأتي بعد بضع آيات منها أن الإيمان لا ينفع عند وقوع عذاب الاستئصال الذي هو نهاية أجل القوم، كما أنه لا ينفع حتى إذا حضر أحدهم الموت الشخص، كما تقدم في قوله تعالى: {ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ولاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]، ومن البديهي أن التوبة من الكفر والمعصية إنما تنفع بالرجوع إلى الطاعة. على أن اليائس من الشيء بالفعل لا يعقل أن يكون صادقا في ادعائه إياه أو طلبه له بالقول. ولعل فرعون أراد بقوله حينئذ أنه كان يرجو بهذا أن ينجيه الله تعالى كما نجاه وقومه من كل نازلة من عذاب الله حلت به وبقومه؛ إذ كان يقول لموسى {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 134}، ولكن تلك النوازل إنما كانت لأجل إرسال بني إسرائيل مع موسى فهي غايتها، ولم تكن عقابا على الإصرار على كفر الجحود والعناد الذي هو شر أنواع الكفر وأدلها على خبث طوية صاحبه، كذا العقاب الأخير بعد نجاة بني إسرائيل منه رغم أنفه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

مقول لقول حذف لدلالة المقام عليه، تقديره: قال الله. وهو جواب لقوله: {آمنت} [يونس: 90] لأنه قصد بقوله ذلك طلبَ الإنجاء من الغرق اعترافاً لله بالربوبية، فكأنه وجه إليه كلاماً. فأجابه الله بكلام.

وقال الله هذا الكلام له على لسان الملَك الموكل بتعذيبه تأييساً له من النجاة في الدنيا وفي الآخرة، تلك النجاة التي هي مأمولة حين قال: {آمنت} [يونس: 90] إلى آخره، فإنه ما آمن إلا وقد تحقق بجميع ما قاله موسى، وعلم أن ما حل به كان بسبب غضب الله، ورجا من اعترافه له بالوحدانية أن يعفو عنه وينجيه من الغرق. ويدل على ذلك قول الله عقب كلامه {فاليوم ننجيك ببدنك} كما سيأتي.

والاستفهام في {ألآن} إنكاري. والآن: ظرف لفعل محذوف دل عليه قوله: {آمنتُ} [يونس: 90] تقديره: الآن تؤمن، أي هذا الوقت. ويقدر الفعل مؤخراً، لأن الظرف دل عليه، ولأن محط الإنكار هو الظرف.

والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي عُلق به الإنكار ليس وقتاً ينفع فيه الإيمان لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي، فيكون المعنى: لا إيمان الآن.

والمنفي هو إيمانٌ ينجي مَن حصل منه في الدنيا والآخرة. وإنما لم ينفعه إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت. وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ولا توبة العاصي، كما تقدم عند قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار} [النساء: 18].

و (الآن) اسم ظرف للزمان الحاضر... وقد تقدم عند قوله تعالى: {الآن خفَّف الله عنكم} في سورة [الأنفال: 66].

وجملة: وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين} في موضع الحال من معمول (تؤمن) المحذوف، وهي موكدة لما في الاستفهام من معنى الإنكار، فإن إيمانه في ذلك الحين منكر، ويزيده إنكاراً أن صاحبه كان عاصياً لله ومفسداً للدين الذي أرسله الله إليه، ومفسداً في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر.

وصيغة: {كنتَ من المفسدين} أبلغ في الوصف بالإفساد من: وكنتَ مُفسداً، كما تقدم آنفاً، وبمقدار ما قدّمه من الآثام والفساد يشدّد عليه العذاب.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} الذين أفسدوا حياتهم بالكفر والعصيان، وأفسدوا حياة الناس بالظلم والعدوان.