روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ} (65)

{ فَعَقَرُوهَا } أي فخالفوا ما أمروا به فعقروها ، والعقر قيل : قطع عضو يؤثر في النفس .

وقال الراغب : يقال : عقرت البعير إذا نحرته ، ويجىء بمعنى الجرح أيضاً كما في «القامومس » وأسند العقر إليهم مع أن الفاعل واحد منهم وهو قدار كهمام في قول ، ويقال له : أحمر ثمود ، وبه يضرب المثل في الشؤم لرضاهم بفعله ، وقد جاء أنهم اقتسموا لحمها جميعاً { فَقَالَ } لهم صالح عليه السلام { تَمَتَّعُواْ } عيشوا .

{ فِى دَارِكُمْ } أي بلدكم ، وتسمى البلاد الديار لأنها يدار فيها أي يتصرف يقال : ديار بكر لبلادهم ، وتقول العرب الذي حوالى مكة : نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلد ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، وقال ابن عطية : هو جمع دارة كساحة وساح وسوح ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان

: له داع بمكة مشمعل *** وآخر فوق ( دارته ) ينادي

ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي داراً وتطلق الدار وتطلق الدار على الدنيا أيضاً ، وبذلك فسرها بعضهم هنا ، وفسر الطبرسي التمتع بالتلذذ أي تلذذوا بما تريدون { ثلاثة أَيَّامٍ } ثم يأخذكم العذاب ، قيل : إنهم لما عقروا الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث رغوات فقال صالح عليه السلام : لكل رغوة أجل يوم ، وابتداء الأيام على ما في بعض الروايات الأربعاء ، وروي أنه عليه السلام قال لهم : تصبح وجوهكم غداً مصفرة . وبعد غد محمرة . واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب فكان كما قال : { ذلك } إشارة إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب عقيبها وما فيه من معنى البعد للتفخيم { وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذوب فيه فحذف الجار وصار المجرور مفعولاً على التوسع لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه ، ويسمون هذا الحذف والإيصال ، وهو كثير في كلامهم ويكون في الاسم كمشترك وفي الفعل كقوله

: ويوم شهدناه سليماً وعامرا *** قليل سوى طعن النهار نوافله

أو ( غير مكذوب ) على المجاز كأن الواعد قال له : أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه فهناك استعارة مكنية تخييلية ، وقيل : مجاز مرسل بجعل { مَكْذُوبٍ } بمعنى باطل ومتخلف ، أو وعد غير كذب على أن مكذوب مصدر على وزن مفعول كمجلود ومعقول بمعنى عقل وجلد فإنه سمع منهم ذلك لكنه نادر ، ولا يخفى ما في تسمية ذلك وعداً من المبالغة في التهكم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ} (65)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فعقروها}... {فقال} لهم صالح: {تمتعوا في داركم} يعني محلتكم في الدنيا، {ثلاثة أيام ذلك} العذاب {وعد} من الله {غير مكذوب}: ليس فيه كذب بأن العذاب نازل بهم بعد ثلاثة أيام...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فعقرت ثمود ناقة الله، وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر عليه، وهو: فكذّبوه فعقروها فقال لهم صالح:"تَمَتّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ" يقول: استمتعوا في دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام.

"ذلكَ وَعْدٌ غيرُ مَكْذُوبٍ "يقول: هذا الأجل الذي أجّلتكم وعد من الله، وعدكم بانقضائه الهلاك، ونزول العذاب بكم "غير مكذوب"، يقول: لم يكذبكم فيه من أعلمكم ذلك...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: (ذلك وعد) من الله (غير مكذوب) ليس فيه كذب. وكان عذابهم إنما نزل على إثر سؤال الآية؛ سألوا ذلك، فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة؛ أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها، نزل بهم العذاب، وهو قوله: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب به الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) الآية [الإسراء: 59] والله أعلم...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(فعقروها) العقر ها هنا: جراحة تؤدي إلى الهلاك...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{تَمَتَّعُواْ} استمتعوا بالعيش {فِي دَارِكُمْ} في بلدكم. وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيه أي يتصرف... وقيل: في دار الدنيا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

أضاف العقر إلى جميعهم لأن العاقر كان منهم وكان عن رضى منهم وتمالؤوا، وعاقرها قدار...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

التمتع: التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم أشار إلى قرب مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسبباً عن أوامره ونواهيه ومعقباً: {فعقروها} أي الناقة {فقال} أي عند بلوغه الخبر {تمتعوا} أي أنتم تعيشون {في داركم} أي داركم هذه، وهي بلدة الحجر {ثلاثة أيام} أي بغير زيادة عليها، فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه. ولما كان كأنه قيل: هل في هذا الوعيد مثنوية، قال مجيباً: {ذلك} أي الوعد العالي الرتبة في الصدق والغضب {وعد غير مكذوب} أي فيه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

دل عقرهم للناقة، أي ضربهم لها بالسيف في قوائمها وقتلها على هذا النحو. دل على فساد قلوبهم واستهتارهم. والسياق هنا لا يطيل بين إعطائهم الناقة وعقرهم إياها، لأنها لم تحدث في نفوسهم تجاه الدعوة تغييرا يذكر. ثم ليتابع السياق عجلة العذاب. فهو يعبر هنا بفاء التعقيب في كل الخطوات: (فعقروها. فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام).. فهي آخر ما بقى لكم من متاع هذه الدنيا ومن أيام هذه الحياة: (ذلك وعد غير مكذوب).. فهو وعد صادق لن يحيد...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وذلك التأجيل استقصاءٌ لهم في الدعوة إلى الحقّ. والمكذوب: الذي يُخبر به الكاذب. يقال: كذَب الخبرَ، إذا اختلقه.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

لقائل أن يقول: ولم الإمهال بثلاثة أيام؟ ونقول: إن العذاب إذا جاء فالألم الحسي ينقطع من المعذب، ويشاء الله تعالى أن يعيشوا في ذلك الألم طوال تلك المدة حتى يتألموا حسيا، وكل يوم يمر عليهم تزداد آلامهم من قرب الوعيد الذي قال فيه الله تعالى: {وعد غير مكذوب}: الحق سبحانه هو الذي يعد، وهو القادر على إنفاذ الوعد، ولا تقوم قوة أمامه؛ لذلك فهو وعد صادق غير مكذوب...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

الرضى بالعمل يساوي المشاركة به {فَعَقَرُوهَا} فكمن لها شخص منهم، فضربها وقتلها، بعد الاتفاق مع القوم، فحمّلهم الله مسؤولية ذلك جميعاً، لأن عامل الرضى يتساوى في النتيجة عند الله، مع عامل المشاركة، {فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} لقد تحركت المسألة في خطّ القرار الحاسم الذي حدّد للعذاب موعداً، بعد ثلاثة أيام، لأن العذاب سنّة الله في الأمم السالفة، عندما ينزل آية على قوم فيجحدونها...