روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ} (70)

{ فَلَمَّا رَءآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون ، وقيل : { لا } كناية بناءاً على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء ، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالعبث ، والملائكة عليهم السلام يجلون عن مثله ؛ و { رأى } قيل : علمية فجملة { لاَ تَصِلُ } مفعول ثان ، والظاهر أنها بصرية ، والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولاً لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصراً في الأكل أي لما شاهد منهم ذلك { نَكِرَهُمْ } أي نفرهم { وَأَوْجَسَ } أي استشعر وأدرك ، وقيل : أضمر { مِنْهُمْ } أي من جهتهم { خِيفَةً } أي خوفاً ، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف ، ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون كما ينبىء عنه ما في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه : { قَالَ سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [ الذاريات : 25 ] أنهم ملائكة ، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى عليه { قَالُواْ } حين رأوا أثر ذلك عليه عليه السلام ، أو أعلمهم الله تعالى به ، أو بعد أن قال لهم ما في الحجر { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [ الحجر : 52 ] فإن الظاهر منه أن هناك قولاً بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى ، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه عليه السلام أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب ، وقيل : إن الله تعالى جعل للملائكة مطلقاً ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى : { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الإنفطار : 12 ] وفي «الصحيح » " قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة " الحديث ، وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية .

وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريح بخلافه ، والآية . والخبر المذكوران لا يصلحان دليلاً لهذا المطلب ، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا { لاَ تَخَفْ } ويحتمل أن القائل بعضهم ، وكثيراً ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال ذلك ، وظاهر قوله سبحانه : { أَنَّا أَرْسَلْنَا } أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ الحجر : 53 ] استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنه من الخوف أي { أَرْسَلْنَا } بالعذاب { إلى قَوْمِ لُوطٍ } خاصة ، ويعلم مما ذكرنا أنه عليه السلام أحس بأنهم ملائكة ، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقد يستدل له بقولهم : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا } فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا فخاف ، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده ، وأصل الإنكار ضد العرفان ، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى ، وقيل : إن أنكر فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر ، ومن ذلك قول الشاعر

: وأنكرتني وما كان الذي نكرت *** من الحوادث إلا الشيب والصلعا

فإنه أراد في الأول على ما قيل : أنكرت مودتي ، وقال الراغب : إن أصل ذلك أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما فيه الآية ، وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجح إلى حالهم حين قدم إليهم العجل . والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم بل وقع عند رؤيته عليه السلام لهم لعدم كونهم من جنس ما يعهده من الناس ، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية ، واعترض ما قدمناه بأن فيه ارتكاب مجاز ، ولعل الأمر فيه سهل .

وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا } وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتخرحموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك ، وكان عليه السلام نازلاً في طرف من الأرض منفرداً عن قومه ، وهي رواية عن ابن عباس أخرجه إسحاق بن بشر . / وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه ، وقيل : كان سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت .

وقال العلامة الطيبي : الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول وإنما عدلوا إلى قولهم : { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } ليكون جامعاً للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضاً انتهى .

وفيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري ، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه ، ولعله أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام ، وما ذكره الطيبي من أنه لو عرفتهم بأنهم ملائكة لم يحضر الخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أولاً لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا للعذاب ، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر .

قال بعض المحققين والتعليل بأنهم ملائكة هو الوجه لينتظم قوله سبحانه : { لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } [ الحجر : 35 ] مع ما قبله إذ لو كان الوجل لكونهم على غير زي من عرف ونحوه لم يحسن التعليل بقوله تعالى : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } فإنه إنما هو تعليل للنهي عن الوجل من أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب كأنهم قالوا : { لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } و { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } فجاء على اختصارات القرآن بذكر أحد التعليلين في أحد الموضعين والآخر في الآخر ، ولا شك أن في الحجر اختصاراً لطي حديث الرواع ، والتعجيل بالعجل الحنيذ وعدم تحرمهم بطعامه لما أن المقصود من سوق القصة هنالك الترغيب والترهيب للاعتبار بحال إبراهيم عليه السلام وما لقي من البشرى والكرامة ، وحال قوم لوط عليه السلام وما منوا به من السوأى والملامة ، ألا ترى إلى قوله سبحانه : { نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } إلى قوله جل وعلا :

{ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الحجر : 49-51 ] فاقتصر على ما يفيد ذلك الغرض ، وأما في هذه السورة فجىء بها للإرشاد الذي بنى عليه السورة الكريمة مع إدماج التسلية ورد ما رموه به عليه الصلاة والسلام من الافتراء ، وفي كل من أجزاء القصة ما يسد من هذه الأغراض فسرد على وجهها ، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجىء بما يفيد ذلك فلا عليك إن رأيت اختصاراً أن تنقل إليه من المبسوط ما يتم به الكلام بعد أن تعرف نكتة الاختصار ، وهذا من خواص كتاب الله تعالى الكريم انتهى ولا يخلو عن حسن ، وفيه ذهاب إلى كون جملة { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } استئنافاً في موضع التعليل كما هو الظاهر .

وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة : الظاهر ما ذكر إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } [ الحجر : 57 ، 58 ] صريح في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه السلام ، وقد أوجز الكلام اكتفاءاً بذلك انتهى .

وتعقب بأنه قد يقال : إن ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر لجواز أن يكونوا قالوا ذلك على معنى التعليل للنهي عن الخوف ، ولكنه وإن أريد منه الإرسال بالعذاب لقوم لوط عليه السلام مجمل لم يؤت به على وجه يظهر منه ما نوع هذا العذاب هل هو استئصال أم لا ؟ فسأل عليه السلام لتحقيق ذلك فكأنه قال : أيها المرسلون إلى قوم لوط ما هذا الأمر العظيم الذي أرسلتم به ؟ فأجابوه بما يتضمن بيان ذلك مع الإشارة إلى علة نزول ذلك الأمر بهم وهو قولهم : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 58 ، 59 ] الآية فإن انفهام عذاب الاستئصال لقوم لوط عليه السلام من ذلك ظاهر ، وكذا الإشارة إلى العلة .

والحاصل أن السؤال في تلك الآية عن الخطب وهو في الأصل الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ، ويراد من السؤال عنه تحقيق أمر لم يعلمه عليه السلام من كلامهم قبل إما لأنه لم يعلم ذلك منه .

أو لأنه كان مشغولاً عن كمال التوجه ليعلم عليه السلام منه ذلك ، وفي خطابه عليه السلام لهم عليهم السلام بعنوان الرسالة ما يؤيد تقدم قولهم : { أَنَّا أَرْسَلْنَا } على هذا السؤال لكنه أسقط هناك تعويلاً على ما هنا ولا بدع في الإسقاط من المتأخر تعويلاً على المتقدم ، وتأخر الحجر . والذاريات عن هود تلاوة مما لا كلام فيه ، وتأخرهما نزولاً مما رواه ابن ضريس في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن عمر بن هارون عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس ، وذكر أنها كلها نزلت بمكة وأن بين هود . والحجر سورة واحدة ، وبين الحجر . والذاريات ثلاث عشرة سورة فليتأمل في هذا المقام ، ويفهم من كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يتحقق كونهم ملائكة إلا بعد أن مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأنه فحينئذ عرفهم وأمن منهم ، ولم يتحقق صحة الخبر عندي ، والذي أميل إليه أنه عليه السلام عرفهم قبل ذلك وأن خوفه منهم لكونهم ملائكة لم يدر لأي شيء نزلوا ، ويبعد عند من عرف حال إبراهيم عليه السلام القول بأنه خاف بشراً وبلغ منه الخوف حتى { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [ الحجر : 52 ] لا سيما إذا قلنا : إنا من خافهم كانوا ثلاثة وأنه عليه السلام لم يكن في طرف من الأرض بل كان بين أصحابه ، أو كان هناك لكن بين خدمه وغلمانه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ} (70)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فلما رءا أيديهم لا تصل إليه} أي إلى العجل، {نكرهم} يعني أنكرهم وخاف شرهم، {وأوجس منهم خيفة}، يقول: فوقع عليه الخوف منهم، {قالوا}، أي قالت الملائكة: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} بهلاكهم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فلما رأى إبراهيم أيدَيهم لا تصل إلى العجل الذي أتاهم به والطعام الذي قدّم إليهم نكرهم، وذلك أنه لما قدّم طعامه صلى الله عليه وسلم إليهم فيما ذُكِر، كَفّوا عن أكله، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله، وكان إمساكهم عن أكله عند إبراهيم وهم ضيفانه مستنكرَا، ولم تكن بينهم معرفة، وراعه أمرهم وأوجس في نفسه منهم خيفة... عن قتادة:"فَلَمّا رأى أيْدِيهِمْ لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ وأوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً" وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يَطعَم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ...

"وأوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً "يقول: أحسّ في نفسه منهم خيفة وأضمرها.

"قالُوا لا تَخَفْ" يقول: قالت الملائكة لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم: لا تخف منا وكن آمنا، فإنا ملائكةُ ربك أرسلنا إلى قوم لوط...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) قال بعضهم: نكرهم أي أنكرهم، واستنكرهم واحد، وهو من إنكار؛ أي لم يعرفهم... وقيل: (نكرهم) أنهم من البشر (وأوجس منهم خيفة)... وقال بعضهم: (خيفة) أي وحشة، أي أضمر وحشة حين لم يتناولوا شيئا مما قرب إليهم، فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر... فما جاؤوا إلا لأمر عظيم لتعذيب قوم وهلاكهم، فخاف لذلك. فقالوا (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) وقال في موضع آخر: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم)... (قال فما خطبكم أيها المرسلون) [الذاريات: 28.. و31] يذكر ههنا أن قولهم: (إنا أرسلنا) على إثر سؤال، وفي ما نحن فيه، لا كذلك. فالمعنى فيه، والله أعلم، أن ذلك كان على إثر سؤال إبراهيم بقوله: (فما خطبكم أيها المرسلون) لكنه جمع ذلك في ما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة. وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أضمر وأحسّ منهم خوفاً، وقال مقاتل: وقع في قلبه، الأخفش: خامر نفسه. الفرّاء: استشعر. الحسن: حدّث نفسه، وأصل الوجوس الدخول، وكان الخوف دخل قلبه...

{قَالُواْ لاَ تَخَفْ} يا إبراهيم فإنّا ملائكة الله {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} قال الوالبي: لمّا عرف إبراهيم أنهم ملائكة خاف أنه وقومه المقصودون بالعذاب؛ لأن الملائكة كانت تنزل إذ ذاك بالعذاب، نظير ما في الحجر {مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ} [الحجر: 8] أي بالعذاب، قالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط لا إلى قومك...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قيل في وجه إتيان الملائكة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في صورة الأضياف قولان: أحدهما -قال الحسن أنهم أتوه على الصفة التي كان يحبها، لأنه كان يقري الضيف. والآخر- أنهم أروه معجزا من مقدور الله في صورتهم مع البشارة له بالولد على الكبر، فأخبر الله تعالى أن إبراهيم لما رآهم ممتنعين من تناول الطعام وأن أيديهم لاتصل إليه، والعقل لم يكن مانعا من أكل الملائكة الطعام وإنما علم ذلك بالإجماع وبهذه الآية، وإلا ما كان يجوز أن يقدم إبراهيم الطعام مع علمه بانهم ملائكة. ويجوز بأن يأكلوه، وإنما جاز أن يتصور الملائكة في صورة البشر مع ما فيه من الإيهام لأنهم أتوه به دلالة، وكان فيه مصلحة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف. والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}: أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضّيفان عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الظاهر أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا {فَأَوْجَسَ} فأضمر. وإنما قالوا: {لاَ تَخَفْ} لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو عرفوه بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وفي هذه الآية من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر من ضيفه هل يأكل أم لا؟... وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{قَالُواْ لاَ تَخَفْ} ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايلَ الخوفِ إزالةً له منه بل بعد إظهارِه عليه الصلاة والسلام له قال تعالى في سورة الحِجر: {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} ولم يُذكر ذلك هاهنا اكتفاءً بذلك {إِنَّا أُرْسِلْنَا} ظاهرُه أنه استئنافٌ في معنى التعليلِ للنهي المذكورِ كما أن قولَه تعالى: {إِنَّا نُبَشّرُكَ} [الحجر، الآية 53] تعليلٌ لذلك فإن إرسالَهم إلى قوم آخرين يوجب أمنَهم من الخوف أي أُرسلنا بالعذاب {إلى قَوْمِ لُوطٍ} خاصةً إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إنا أرسلنا إلى قَوْمٍ مجْرِمِينَ} [الحجر: 57، 58] صريحٌ في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه الصلاة والسلام، وقد أُوجز الكلامُ اكتفاء بذلك...

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

{قَالُواْ لاَ تَخَفْ} قالوا له هذه المقالة مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف، بل أوجس ذلك في نفسه، فلعلهم استدلوا على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه، أو قالوه له بعد ما قال عقب ما أوجس في نفسه من الخيفة قولاً يدلّ على الخوف...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي لا تمتد إليه للتناول منه كما يمد الآكل يده إلى الطعام {نكرهم وأوجس منهم خيفة} نكر الشيء "كعلم وتعب "وأنكره ضد عرفه، أي نكر ذلك منهم ووجده على غير ما يعهد من الضيف، فإن الضيف لا يمتنع من طعام المضيف إلا لريبة أو قصد سيء، وأحس في نفسه خيفة منهم وفزعا، أو أدرك ذلك وأضمر إذ شعر أنهم ليسوا بشرا أو أنهم ربما كانوا من ملائكة العذاب، والوجس "كالوعد" الصوت الخفي ويطلق على ما يعتري النفس من الشعور والخواطر عند الفزع {قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} أي قالوا وقد علموا ما يساور نفسه من الوجس: لا تخف فنحن لا نريد بك سوءا وإنما أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم، ولوط ابن أخيه، وأول من آمن به، وكان مكانه من مهاجره قريبا من مكانه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

إنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان. ولذلك عقب قوله {نكرهم} ب {أوجس منهم خيفة}، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك. ومصدره الإيجاس. وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السّلام وحده...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} مبالغة في الامتناع عن الأكل إذ لم تتحرك أيديهم بل بقيت في مكانها لا تمتد إليه، ولما رأى ذلك أحس أنهم غرباء عنه، وعن جملة أحاسيسه، إذ إنهم لم يمدوا أيديهم ولم يعتذروا، وعبر الله عن ذلك بقوله تعالى: {نكرهم} وهو بمعنى أنكرهم واستنكر أمرهم، وإن كلمة {نكرهم} تدل على ما هو أبلغ من الإنكار والاستنكار، بل تدل مع ذلك على الوحشة من لقائهم، ولذا قال تعالى بعد ذلك: {وأوجس منهم خيفة}، والإيجاس هو الإدراك بالحس، والخيفة الخوف الشديد الذي يظهر في الهيئة؛ لأن خيفة اسم هيئة من الخوف، أي أدركوا سببا للخوف وظهر الخوف في هيئته عليه السلام...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} فلم يدرك سبباً لذلك لأنه مخالف للأمر المألوف في سلوك الضيف مع صاحب البيت، {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} نظراً للغموض الذي لف الموقف، فهو لا يعرفهم بأشخاصهم، والامتناع عن الأكل يوحي في عرف الناس آنذاك بالعداوة وبإضمار الشرّ للمضيف، مما جعله يحس بالخوف والقلق، ولا مانع من حدوث مثل ذلك للأنبياء الذين يعيشون الضعف البشريّ الذي تخضع له المشاعر الذاتيّة، ولكن بالمستوى الذي لا يؤدّي إلى السقوط في المعصية، ولا يوحي بالانسحاق، ولا يمنع من العصمة. ولعلّ سر عظمتهم في تمثَّلهم خط التوازن بين نقاط الضعف التي تؤكد بشريتهم، ونقاط القوة التي تنطلق من حركة الإيمان والرسالة في روحيتهم، فلا مشكلة في إحساس الإنسان بالخوف، بل في الاستسلام له، وليس الخوف حالة سلبيّةً في ذاته، بل قد يكون حالةً إيجابيّةً بما يشكله من حمايةٍ للإنسان من الأخطار المهلكة التي تحيط به. ولذا كان إبراهيم خاضعاً لتأثير هذه الحالة الطبيعية من الإحساس بالخوف أمام ظاهرةٍ، غامضةٍ فاجأته بما يشبه الصدمة، ولكن الملائكة لم يأتوا ليخلقوا عقدة الخوف، وليثيروا في داخله القلق، {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} فلسنا من البشر، ولا نريد بك شرّاً، بل نحن مرسلون إلى قوم لوط لأداء مهمّةٍ إلهيةٍ، تستهدف إهلاكهم بالطريقة التي أمرنا الله بها...