روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} (27)

{ والجآن } هو أبو الجن كما روي عن ابن عباس ويجمع على جنان كحائط وحيطان وراع ورعيان قاله الطبرسي ، وقيل : هو إبليس وروي عن الحسن . وقتادة لكن في «الدر المصون » أنه هو أبو الجن ، وقال ابن بحر : هو اسم لجنس الجن وتشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس مخلوقاً منها . وقرأ الحسن . وعمرو بن عبيد { والجآن } بالهمز وانتصابه بفعل يفسره { خلقناه } وهو هنا أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { مِن قَبْلُ } أي من قبل خلق الإنسان ، قيل : ومن هنا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله تعالى : { مّنكُمْ } [ الحجر : 24 ] للكل وهو بعيد غاية البعد .

{ مِن نَّارِ السموم } أي الريح الحارة التي تقتل . وروي ذلك عن ابن عباس ، وأكثر ما تهب في النهار وقد تهب ليلاً . وسميت سموماً لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن ومنه السم القاتل ، ويقال : سم يومنا يسم إذا هبت فيه تلك الريح ، وقيل : السموم نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق ، وروى ذلك أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص ، وقيل : السموم إفراط الحر والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والمراد من النار المفرطة الحرارة ، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن النار التي خلق منها الجان أشد حرارة من النار المعروفة . فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رؤيا المسلم جزء من سبعين جزأً من النبوة وهذه النار جزء من سبعين جزأً من السموم التي خلق منها الجان وتلا عليه الصلاة والسلام الآية " واستشكل الخلق من النار بأنه كيف تخلق الحياة فيها وهي بسيطة ليست متركبة من أجزاء مختلفة الطبع والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة .

وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البينة المركبة .

وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البنية المركبة من الجواهر وليس لهم سوى شبه أو هن من بيت العنكبوت على أن ذلك غير وارد رأساً لأن معنى كون الجن مخلوقة من نار أنها الجزء الأعظم الغالب عليها كالتراب في الإنسان فليست بسيطة ، وقال بعضهم : إن الجن أجسام هوائية أو نارية بمعنى أنهم يغلب عليهم ذلك وهم مركبون من العناصر الأربعة كالملائكة عليهم السلام على قول .

ثم إن النقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكار الجن وليس ذلك مذهب جميعهم فقد ذهب جمع عظيم من قدمائهم إلى وجودهم وهو مذهب جمهور أرباب الملل وأصحاب الروحانيات ويسمونهم بالأرواح السفلية وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنها أضعف . نعم اختلف المثبتون فمنهم من زعم أنهم ليسوا أجساماً ولا حالين فيها بل هم جواهر قائمة بأنفسها لكنها أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الاعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها كريمة حرة محبة للخيرات وبعضها دنية خسيسة محبة للشرور ولا يعلم عدد أنواعهم إلا الله تعالى ولا يبعد أن يكون في أنواعها من يقدر على أفعال شاقة يعجز عنها قدرة البشر وكذا لا يبعد لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم . ومن الناس من زعم أن هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن مشابه للبدن الذي فارقته فبسبب تلك المشابهة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير معاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً ، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة ، ومنهم من قال : إنهم أجسام لكن اختلفوا فقال بعضهم : هي مختلفة الماهية وإن اشتركت في صفة ، وقال آخرون : إنها متساوية في تمام الماهية ، وقد أطال الكلام في ذلك الإمام في تفسير سورة الجن ، وذكر في تفسير هذه الآية أنهم اختلفوا في الجن فقال بعضهم : إنهم جنس غير الشياطين ، والأصح أن الشياطين قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان ، وكل من كان منهم كافراً سمي بهذا الاسم ، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار فكل من كان كذلك كان من الجن اه ، وما ذكره من الأصح هو الذي ذهب إليه المعظم لكن ما ذكره من الدليل ضعيف .

وقال وهب : إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ، ومنهم من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين . وذكر ابن عربي أن تناسل الجن بإلقاء الهواء في رحم الأنثى كما أن التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم ، وأنهم محصورون في اثنتي عشرة قبيلة أصولاً ثم يتفرعون إلى أفخاذ ، ويقع بينهم حروب وبعض الزوابع يكون عند حربهم ، فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل صاحبتها أن تخترقها فيؤدي ذلك إلى الدور وما كل زوبعة حرب .

وأخرج البيهقي في الأسماء . وأبو نعيم . والديلمي . وغيرهم بإسناد صحيح كما قال العراقي عن أبي ثعلبة مرفوعاً الجن ثلاثة أصناف . فصنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء . وصنف حيات وكلاب . وصنف يحلون ويظعنون ، وفي هذه القسمة عندي إشكال يظهر بالتدبر ، ولعل حاصلها أن صنفاً منهم يغلب عليهم الطيران في الهواء ، وصنف يغلب عليهم الحل والارتحال ، وصنف يغلب عليهم المكث والتوطن ببعض المواطن ، وعبر عنهم بالحيات والكلاب لكثرة تشكلهم بذلك دون الصنفين الآخرين ، فإنهم وإن جاز عليهم التشكل بالأشكال المختلفة لأنهم من الجن ، وقد قالوا : إنهم قادرون على ذلك وإن نوزع فيه بأنه يستلزم أن لا تبقى ثقة بشيء . ورد بأن الله تعالى قد تكلف لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يترتب عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور إلا أنهم لا يكثر تشكلهم بذلك ، وربما يقال : إن القدرة على التشكل إنما هي لصنف المتوطنين ، وإثباتها في كلامهم للجن يكفي فيه صحتها باعتبار بعض الأصناف لكنه بعيد جداً فليتدبر حقه ، وقد قال الهيتمي : إن رجال هذا الحديث وثقوا في بعضهم ضعف ، فإن كان الحديث لذلك ضعيفاً فلا قيل ولا قال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام في هذا المقام بعون الله تعالى الملك العلام ، ثم إن مساق الآية الكريمة على ما قيل كما هو للدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على مقدمة يتوقف عليها إمكان الحشر وهي قبول المواد للجمع والإحياء فتدبر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} (27)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {والجان} يعني: إبليس، {خلقناه من قبل} آدم، {من نار السموم}، يعني: صافي ليس فيه دخان، وهو المارج من نار، يعني: الجان...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"والجانّ"... وعُني بالجانّ ههنا: إبليس أبا الجنّ. يقول تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نار السموم... واختلف أهل التأويل في معنى: "نارِ السّمُومِ"؛

فقال بعضهم: هي السموم الحارّة التي تقتل...

وقال آخرون: يعني بذلك من لهب النار...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

..."نارِ السّمُومِ"...مأخوذ من دخولها بلطف في مسام البدن، ومنه السم القاتل.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{الجان} يراد به جنس الشياطين، ويسمون: جنة وجاناً لاستتارهم عن العين... و {السموم} -في كلام العرب- إفراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح.

وأما إضافة {نار} إلى {السموم} في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار أنواعاً، ويكون {السموم} أمراً يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ؛ وإن لم يكن هذا، فيخرج هذا على قولهم: مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف مضاف.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

... ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجمع والإحياء.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف جملة {والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس. وأكدت جملة {والجان خلقناه} بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة {ولقد خلقنا الإنسان} الخ. وفائدة قوله: {من قبل} أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة. فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ. فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة. والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ونعلم أن كلمة (السموم) هي اللهب الذي لا دخان له، ويسمونه "السموم "لأنه يتلصص في الدخول إلى مسام الإنسان. وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مقومات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نار له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخف وأشد من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} (سورة الأعراف 27) وهكذا نعلم أن قانون خلق الجن من عنصر النار التي لا لهب لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان.

ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيرية أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ}، وهو مخلوق حي عاقل يعيش مع الإنسان على الأرض ولكن في مجتمعٍ منفصل عنه، دون أن يبرز أي مظهر من مظاهر حياته أو حركته على الأرض مع الإنسان، إلا في حالاتٍ خاصة، وهو مخلوق كالإنسان تماماً يعقل ويفكر ويتحمل المسؤولية أمام الله في الحياة، ثم يموت ويبعث ليواجه نتائج المسؤولية، لكنه يتميز عن الإنسان بحرية أكبر، لما أودعه الله فيه من خصائص وأسرار، لا نملك إمكانية اكتشافها لمحدودية طاقاتنا وتجاربنا في هذا المجال، كما أننا لا نملك أيّة وثيقةٍ حيّة للوصول إلى ذلك إلا ما عرفنا الله إياه في كتابه، أو ما شرحه النبي في سنته، مما ثبت النقل فيه عنه بشكلٍ موثوق. وقد بيّن الله لنا في هذه الآية، أنه خلق الجان من نار السموم، ولعل المراد بها الريح الحارّة التي تؤثر تأثير السمّ، كما أفاد الراغب في تفسير معناها، مما حوّلها إلى نار، أو جعلها قريبةً إلى النار، ولكن كيف كان ذلك؟ هذا ما لم يبيّن لنا الله أمره. ولكن لماذا بيّن الله لنا هذه الحقيقة التكوينية؟ لعل السبب في ذلك أن إبليس كان من الجن، كما شرح الله لنا في آيةٍ أخرى، وأن شعوره بامتياز مادّة خلقه وهي النار على التراب الذي هو مادة خلق الإنسان، هو الذي جعله يرفض الأمر الإلهي بالسجود للإنسان...