روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا} (71)

{ عُذْراً فانطلقا } أي موسى والخضر عليهما السلام ولم يضم يوشع عليه السلام لأنه في حكم التبع ، وقيل رده موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ، أخرج البخاري . ومسلم . وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول ، وفي رواية أبي حاتم عن الربيع بن أنس أن أهل السفينة ظنوا أنهم لصوص لأن المكان كان مخوفاً فأبوا أن يحملوهم فقال كبيرهم : إني أرى رجالاً على وجوههم النور لأحملنهم فحملهم { حَتَّى إِذَا رَكِبَا في السفينة } أل فيها لتعريف الجنس إذ لم يتقدم عهد في سفينة مخصوصة ، وكانت على ما في بعض الروايات سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن سفينة أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق ، وكانت أيضاً على ما يدل عليه بعض الروايات الصحيحة من سفن صغار يحمل بها أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر ، وفي رواية أبي حاتم أنها كانت ذاهبة إلى أيلة ، وصح أنهما حين ركبا جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر فقال له الخضر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى الأمثل ما نقص هذا العصفور من الحبر ، وهو جار مجرى التمثيل ؛ واستعمال الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة { في } مع تجريده عنها في مثل قوله تعالى : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] على ما يقتضيه تعديته بنفسه قد مرت الإشارة إلى وجهه في قوله تعالى : { وَقَالَ اركبوا فِيهَا } [ هود : 41 ] وقيل إن ذلك لإرادة معنى الدخول كأنه قيل حتى إذا دخلا في السفينة { خَرَقَهَا } صح أنهما لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواحها بالقدوم فقال له موسى عليه السلام : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ، وصح أيضاً أنه عليه السلام خرقها ووتد فيها وتدا . وقيل قلع لوحين مما يلي الماء . وفي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً أنهما لما ركبا وأطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج مثقاباً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها نم جلس عليها يرقعها . وهذه الرواية ظاهرة في أن خرقه إياها كان حين وصولها إلى لج البحر وهو معظم مائه ، وفي الرواية عن الربيع أن أهل السفينة حملوهما فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض خرقها ، ويمكن الجع بأن أول العزم كان وهي في اللج وتمام الفعل كان وقد شارفت على الأرض ، وظاهر الأخبار يقتضي أنه عليه السلام خرقها وأهلها فيها وهو ظاهر قوله تعالى : { قَالَ } موسى { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } سواء كانت اللام للعاقبة بناء على أن موسى عليه السلام حسن الظن بالخضر أو للتعليل بناء على أنه الأنسب بمقام الإنكار ، وبعضهم لم يجوز هذا توهماً منه أن فيه سوء أدب وليس كذلك بل يوشك أن يتعين كونها للتعليل لأن الظاهر بناء الجواب عليه كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى .

وفي حديث أخرجه عبد بن حميد . ومسلم . وابن مردويه قال : فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى : تخرقها لتغرق أهلها فقال له الخضر ما قص الله تعالى .

وهذا ظاهر في أنه عزم على الخرق فاعترض عليه موسى عليه السلام وهو خلاف ما تقتضيه الآية . فإن أول بأنه بتقدير وتخلف ليخرقها فخرقها وأن تعبير موسى عليه السلام بالمضارع استحضاراً للصورة أو قيل بأنه وقع من الخضر عليه السلام أو لا تصميم على الخرق وتهيئة لأسبابه وثانياً خرق بالفعل ووقع من موسى عليه السلام اعتراض على الأول أولا وعلى الثاني ثانياً فنقل في الحديث أول ما وقع من كل هذه المادة وفي الآية ثاني ما وقع من كل فيها بقي بين ظاهر الحديث وظاهر الآية مخالفة أيضاً على ما قيل من حيث أن الأول يقتضي أن أهل السفينة لم يكونوا فيها إذ خرقت والثاني يقتضي أنهم كانوا فيها حينئذ . وأجيب أنه ليس في الحديث أكثر من أنهم خرجوا منها وتخلف للخرق وليس فيه إنهم خرجوا فخرقها فيمكن أن يكون عليه السلام تخلف للخرق إذ خرجوا لكنه لم يفعله إلا بعد رجوعهم إليه وحصولهم فيها . وأنت تعلم أنه ينافي هذا ما قيل في وجه الجمع بين الرواية عن سعيد والرواية عن الربيع ؛ وبالجملة الجمع بين الأخبار الثلاثة وبينها وبين الآية صعب ، وقال بعضهم في ذلك : إنه يحتمل أن السفينة لما لججت بهم صادفوا جزيرة في اللج فخرجوا لبعض حوائجهم وتخلف الخضر عازماً على الخرق ومعه موسى عليه السلام فأحس منه ذلك فعجل بالاعتراض ثم رجع أهلها وركبوا فيها والعزم هو العزم فأخذ عليه السلام في مباشرة ما عزم عليه ولم يشعر موسى عليه السلام حتى تم وقد شارفت على الأرض ، ولا يخفي ما في ذلك من البعد ، وذكر بعضهم أن ظاهر الآية يقتضي أن خرقه إياها وقع عقب الركوب لأن الجزاء يعقب الشرط . وأجيب بأن ذلك ليس بلازم وإنما اللازم تسبب الجزاء عن الشرط ووقوعه بعده ألا تراك تقول : إن خرج زيد على السلطان قتله وإذا أعطيت السلطان قصيدة أعطاك جائزة مع أنه كثيراً ما لا يعقب القتل الخروج والإعطاء الاعطاء ؛ وقد صرح ابن الحاجب بأنه لا يلزم وقوع الشرط والجزاء في زمان واحد فيقال : إذا جئتني اليوم أكرمك غدا ، وعلى ذلك قوله تعالى : { أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } [ مريم : 66 ] ومن التزم ذلك كالرضى جعل الزمان المدلول عليه بإذا ممتداً وقدر في الآية المذكورة { أئذا ما مت وصرت رميما ، وعليه أيضاً لا يلزم التعقيب ، نعم قال بعضهم : إن خبر لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواحها يدل على تعقيب الخرق للركوب ، وأيضاً جعل غاية انطلاقهما مضمون الجملة الشرطية يقتضي ذلك إذ لو كان الخرق متراخياً عن الركوب لم يكن غاية الانطلاق مضمون الجملة لعدم انتهائه به . وأجيب بأن المبادرة التي دل عليها الخبر عرفته بمعنى أنه لم تمض أياماً ونحوه ، وبأنه لا مانع من كون الغاية أمراً ممتداً ويكون انتهاء المغيا باتبدائه كقولك : ملك فلأن حتى كانت سنة كذا ملكه فتأمل .

ثم إن في القلب من صحة رواية الربيع شيئاً والله تعالى أعلم بصحتها ، والظاهر أن أهل السفينة لم يروه لما باشر خرقها وإلا لما مكنوه وقد نص على ذلك على القاري . وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن أبي العالية من طريق حماد بن زيد عن شعيب بن الحبحاب ءنه قال : كان الخضر عبداً لا تراه إلا عين من أراد الله تعالى أن يريه إياه فلم يره من القوم إلا موسى عليه السلام ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وكذا بينه وبين قتل الغلام ، وليس هذا بالمرفوع والله تعالى أعلم بصحته ، نعم سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً عن الربيع أيضاً أنهم علموا بعد ذلك أنه الفاعل ، والظاهر أيضاً أن موسى عليه السلام لم يرد إدراج نفسه الشريفة في قوله : { لتغرق أهلها } وإن كان صالحاً لأن يدرج فيه بناءً على أن المراد من أهلها الراكبين فيها .

وقرأ الحسن . وأبو رجاء { لِتُغْرِقَ } بالتشديد لتكثير المفعول . وقرأ حمزة . والكسائي . وزيد بن علي . والأعمش . وطلحة . وابن أبي ليلى . وخلف . وأبو عبيد . وابن سعدان . وابن عيسى الأصبهاني { أَعِزَّةَ أَهْلِهَا } على إسناد الفعل إلى الأهل ، وكون اللام على هذه القراءة للعاقبة ظاهر جداً { لَقَدْ جِئْتَ } أتيت وفعلت { شَيْئًا إِمْرًا } أي داهياً منكراً من أمر الأمر بمعنى كثر قاله الكسائي فاصله كثير ، والعرب كما قال ابن جني في سر الصناعة تصف الدواهي بالكثرة ، وهو عند بعضهم في الأصل على وزن كبد فخفف قيل ولم يقل أمراً إمراً مع ما فيه من التجنيس لأنه تكلف لا يلتفت إلى مثله في الكلام البليغ كما صرح به الإمام المرزوقي في شرح قول السموأل :

يقرب حب الموت آجالنا لنا*** وتكرهه آجالهم فتطول

رداً لاختيار بعضهم رواية يقصر حب الموت ، وأيد ذلك بقول أبي ذؤيب الهذلي :

وشيك الفصول بعيد القفول*** حيث أمكن له أن يقول بظىء القفول ولم يقل ، وربما يقال هنا : إنه لم يقل ذلك لما ذكر مع إيهامه خلاف المراد وقصوره عن درجة ما في النظم الجليل من زيادة التفظيع ، وفي الرواية عن الربيع أن موسى عليه السلام لما رأى من الخضر ما رأى امتلأ غضباً وشد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر عليه السلام في البحر فقال أردت هلاكهم فستعلم أنك أول هالك وجعل كلما ازداد غضباً استعر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهن ، وأن يوشع بن نون قال له : ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك ، وأن الخضر عليه السلام أقبل عليه يذكره ما قاله من قبل :

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا} (71)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم يسيران يطلبان سفينة يركبانها، حتى إذا أصاباها ركبا في السفينة، فلما ركباها، خرق العالم السفينة، قال له موسى: أخرقتها بعد ما لَجَجنا في البحر "لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا "يقول: لقد جئت شيئا عظيما، وفعلت فعلاً مُنكرا...

عن قتادة، قوله: "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا": أي عجبا... نُكرا...

والإمر في كلام العرب: الداهية...

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: أصله: كلّ شيء شديد كثير، ويقول منه: قيل للقوم: قد أَمِروا: إذا كثروا واشتدّ أمرهم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها} هذا الكلام يخرج على وجهين.

أحدهما: على الإنكار عليه، أي أخرقتها لتغرق أهلها؟ أو لتعيبها؟

والثاني: على الاستفهام، أي أخرقتها لتغرق أهلها؟ أو لتعيبها؟ أو لماذا؟ وظاهر هذا الحرف استفهام لولا قوله: {لقد جئت شيئا إمرا}. فإن كان على الأول على الإنكار عليه والرد فقوله: {لقد جئت شيئا إمرا} ظاهر، أي جئت شيئا عظيما شديدا. وإن كان على الاستفهام فهو على الإضمار، كأنه قال: أخرقتها لتُغرق أهلها فلئن خرقتها لتغرق أهلها فلقد جئت شيئا إمرا... فإن قيل: كيف قال له موسى {أخرقتها لتغرق أهلها} وبعد ذلك لم يعلم أن ذلك الخرق مُغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق. قيل: إنما أخبر عما يؤول الأمر في العاقبة، والظاهر من الخرق أن يغرق في آخر الأمر...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... {قال} له موسى {أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهلَها} وإن كان في غرقِها غَرَقُ جميعِهم لكنه أَشفَق على القوم أكثرَ من إشفاقه على نفسه لأنها عادةُ الأنبياء. ثم قال بعد تعجُّبه وإكبارِه {لقد جئتَ شيئاً إمْراً} فأَكْبَرَ ثم أَنْكَرَ... الإمْر: الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة... وهو مأخوذٌ من الإِمْر وهو الفاسد الذي يَحتاج إلى الصلاح، ومنه رَجُلٌ إِمْرٌ إذا كان ضعيفَ الرأي لأنه يحتاج أن يُؤمَر حتى يَقْوَى رأيُه، ومنه أَمِرَ القومُ إذا أَكْثَرُوا لأنهم يَحتاجون إلى مَن يَأمُرهم ويَنهاهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

...وقوله: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} أي لتؤديَ عاقبةُ هذا الأمرِ إلى غَرَقِ أهلِها؛ لأنه عَلِمَ أنه لم يَكن قَصَدَ إغراقَ أهلِ السفينة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اِعلمْ أن موسى وذلك العالِمَ لَمّا تشارَطا على الشرط المذكور وسارا فانتهَيا إلى موضعٍ احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فركِباها وأَقْدَمَ ذلك العالمُ على خرْق السفينة، وأقول لعله أقدمَ على خرق جدارِ السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك الخَرْقِ مَعِيبةً ظاهرةَ العَيْبِ فلا يَتسارع الغرقُ إلى أهلها فعند ذلك قال موسى له: {أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}... موسى عليه السلام لمّا شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نَسِيَ الشرطَ المتقدِّم فلهذا المعنى قال ما قال...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" فانطلَقا حتى إذا رَكِبا في السفينة خَرَقَها "فيه مسألتان:..

الأولى- في صحيح مسلم والبخاري: (فانطلَقا يمشيان على ساحل البحر، فمَرَّتْ سفينةٌ فكَلَّموهم أن يَحمِلوهم، فعَرفوا الخضر فحَمَلوه بغيرِ نَوْلٍ،...

فلَمّا رَكِبا في السفينة لم يُفْجَأْ [موسى] إلا والخَضِرُ قد قَلَع منها لَوْحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم، فقال له موسى: قومٌ حَمَلونا بغير نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سفينتهم فخَرَقْتَها لِتُغرِق أهلَها "لقد جِئتَ شيئاً إِمْراً. قال إنّكَ لن تستطيعَ معي صَبْراً قال لا تُؤاخِذْنِي بما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً "قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكانت الأُولَى من موسى نِسْياناً) قال: (وجاء عصفورٌ فوقع على حَرْف السفينة فنَقَرَ في البحر، فقال له الخضر: ما عِلمي وعِلمُك مِن عِلم اللهِ إلا مِثْلُ ما نَقَصَ هذا العصفورُ من هذا البحر)...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما تشارطا وتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى: {فانطلقا} أي موسى والخضر عليهما السلام على الساحل، يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرا {حتى إذا ركبا في السفينة} وأجاب الشرط بقوله تعالى: {خرقها} وعرفها لإرشاد السياق بذكر مجمع البحرين إلى أن انطلاقهما كان لطلب سفينة، فكانت لذلك كأنها مستحضرة في الذهن، ولم يقرن "خرق "بالفاء لأنه لم يكن مسبباً عن الركوب ولا كان في أول أحيانه؛ ثم استأنف قوله تعالى: {قال} أي موسى عليه السلام، منكراً لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس، ناسياً لما عقد على نفسه لما دهمه مما عنده من الله -وهو الإله العظيم- من العهد الوثيق المكرر في جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات التي نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر القطعي أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن المستثنى شرعاً كالمستثنى وضعاً، ففي الأولى نسي الشرط، وفي الثانية نسي -لما دهمه من فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمراً- أنه ينبغي تقليده لثناء الله تعالى عليه.

{أخرقتها} وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق من الفظاعة فقال: {لتغرق أهلها} والله! {لقد جئت شيئاً إمراً} أي عظيماً منكراً عجيباً شديداً...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

سفينة تحملهما وتحمل معهما ركابا، وهم في وسط اللجة؛ ثم يجيء هذا العبد الصالح فيخرق السفينة! إن ظاهر الأمر هنا أن هذه الفعلة تعرض السفينة وركابها لخطر الغرق وتؤدي بهم إلى هذا الشر؛ فلماذا يقدم الرجل على هذا الشر؟ لقد نسي موسى ما قاله هو وما قاله صاحبه، أمام هذا التصرف العجيب الذي لا مبرر له في نظر المنطق العقلي! والإنسان قد يتصور المعنى الكلي المجرد، ولكنه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى والنموذج الواقعي منه يستشعر له وقعا غير التصور النظري. فالتجربة العملية ذات طعم آخر غير التصور المجرد. وها هو ذا موسى الذي نبه من قبل إلى أنه لا يستطيع صبرا على ما لم يحط به خبرا، فاعتزم الصبر واستعان بالمشيئة وبذل الوعد وقبل الشرط. ها هو ذا يصطدم بالتجربة العملية لتصرفات هذا الرجل فيندفع مستنكرا. نعم إن طبيعة موسى طبيعة انفعالية اندفاعية، كما يظهر من تصرفاته في كل أدوار حياته. منذ أن وكز الرجل المصري الذي رآه يقتتل مع الإسرائيلي فقتله في اندفاعة من اندفاعاته. ثم أناب إلى ربه مستغفرا معتذرا حتى إذا كان اليوم الثاني ورأى الإسرائيلي يقتتل مع مصري آخر، هم بالآخر مرة أخرى! نعم إن طبيعة موسى هي هذه الطبيعة. ومن ثم لم يصبر على فعلة الرجل ولم يستطع الوفاء بوعده الذي قطعه أمام غرابتها. ولكن الطبيعة البشرية كلها تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما غير التصور النظري. ولا تدرك الأمور حق إدراكها إلا إذا ذقتها وجربتها. ومن هنا اندفع موسى مستنكرا: (قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفي الكلام إيجازٌ دَلَّ عليه قولُه: {إذا رَكِبا في السفينة}. أصلُ الكلامِ: حتى استأجَرا سفينةً فرَكِباها فلَمّا رَكِبا في السفينة خَرَقها...

وإذا} ظرفٌ للزمان الماضي هنا، وليست متضمِّنةً معنى الشرط. وهذا التوقيت يُؤْذِن بأخذه في خرق السفينة حينَ ركوبِهما. وفي ذلك ما يشير إلى أن الركوب فيها كان لأجْل خَرْقِها لأن الشيء المقصود يبادِر به قاصدُه لأنه يكون قد دَبَّره وارْتآه من قَبْلُ...

وبُنِيَ نظْمُ الكلامِ على تقديم الظرف على عامله للدلالة على أن الخرق وقَع بمجرد الركوب في السفينة، لأن في تقديم الظرف اهتماماً به، فيدلّ على أن وقت الركوبِ مقصودٌ لإيقاع الفعل فيه...

وضُمِّنَ الرُّكوبُ معنى الدخول لأنه ركوبٌ مجازيٌّ، فلذلك عُدِّيَ بحرف (في) الظرفية نظيرَ قولِه تعالى: {وقال ارْكَبوا فيها} [هود: 41] دونَ نحوِ قولِه: {والخَيْلَ والبِغالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبوها} [النحل: 8]... والاستفهام في {أَخَرَقْتَها} للإنكار. ومَحَلُّ الإنكار هو العلة بقوله: {لِتُغْرِقَ أهلَها}، لأن العلة ملازمةٌ للفعل المستفهَم عنه. ولذلك تَوَجَّهَ أن يُغَيِّر موسى عليه السلام هذا المنكَرَ في ظاهر الأمر، وتأكيدُ إنكارِه بقوله: {لقد جِئتَ شيئاً إِمْراً}...

والإِمْرُ... فسَّره الراغب بالمنكر، لأن المقام دالٌّ على شيء ضارّ. ومَقامُ الأنبياء في تغيير المنكر مَقامُ شدّةٍ وصراحةٍ. ولم يَجعله نُكُراً كما في الآية بعدَها لأن العَمل الذي عمِله الخضرُ ذريعةٌ للغرق ولم يقع الغرقُ بالفعل...

.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يعلمنا أن الكلام النظري شيء، والعمل الواقعي شيء آخر... ونلحظ هنا أن موسى عليه السلام لم يكتف بالاستفهام: {أخرقتها لتغرق أهلها}: بل تعدى إلى اتهامه بأنه أتى أمراً منكراً فظيعاً؛ لأن كلام موسى النظري شيء ورؤيته لخرق السفينة وإتلافها دون مبرر شيء آخر؛ لأن موسى استحضر بالحكم الشرعي إتلاف مال الغير، فضلاً عن إغراق ركاب السفينة، فرأى الأمر ضخماً والضرر كبيراً، هذا لأن موسى يأخذ من كيس والخضر يأخذ من كيس آخر.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وابتدأت التجربة، وبدأ الدرس الأول... {فَانْطَلَقَا} في الطريق من أجل البحث عن موقع الفكرة على الطبيعة وفي الواقع، لأن الدرس لم يكن درساً نظرياً، ليجلسا على الأرض، وليتحدثا عن القضايا المطروحة في الساحة الفكرية والعملية، وليحلِّلا تفاصيلها ويدرسا المواقف الحاسمة على أساس ذلك، بل كان درساً عملياً يتحرك فيه هذا العالم الصالح في الساحة الواقعية، التي قد يوحي الحدث فيها بشيء، ولكن العمق الداخلي له يوحي بشيء آخر، ليترك الفكرة تتفاعل في داخل موسى (عليه السلام)، من خلال حالة الاندهاش التي يثيرها الموقف، فتحفر في عقله ووجدانه وشعوره، ليصل إلى النتيجة بنفسه، أو من خلال توجيه العالم له، بعد أن تترك الفكرة آثارها في عمق شخصيته. ولهذا انطلقا في رحلة البحث عن المعرفة. وربما تحدثا بحديث عابر، وربما كانا يسيران صامتين يفكر أحدهما وهو موسى (عليه السلام) في المجهول الذي يُقبل عليه، ويفكر الآخر وهو العالم في التجربة التي يريد أن يحركها في الدرس الأول.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

المعلم الإِلهي والأفعال المنكرة!! نعم، لقد ذهب موسى وصاحبهُ وركبا السفينة: (فانطلقا حتى إِذا ركبا في السفينة). من الآن فصاعداً نرى القرآن يستخدم ضمير المثنّى في جميع الموارد، والضمير إِشارة إلى موسى والعالم الرّباني، وهذه إِشارة إلى انتهاء مهمّة صاحب موسى (عليه السلام) (يوشع) ورجوعه، أو أنَّهُ لم يكن معنياً بالحوادث بالرغم مِن أنَّهُ قد حضرها جميعاً. إِلاَّ أنَّ الاحتمال الأوّل هو الأقوى. عندما ركبا السفينة قام العالم بثقبها: «خرقها». «خرق» كما يقول الراغب في المفردات: الخرق، قطع الشيء على سبيل الإفساد بلا تدبّر ولا تفكر حيث كان ظاهر عمل الرجل العالِم على هذا المنوال. وبحكم كَوْن موسى (عليه السلام) نبيّاً إِلهياً كبيراً فقد كان مِن جانب يرى أن من واجبه الحفاظ على أرواح وأموال الناس، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومِن جانب آخر كان وجدانه الإِنساني يضغط عليه ولا يدعهُ يسكت أمام أعمال الرجل العالِم التي يبدو ظاهرها سيئاً قبيحاً، لذا فقد نسيَ العهد الذي قطعهُ للخضر (العالم) فاعترض وقال: (قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إِمراً). لا ريب إِنَّ هدف العالم (الخضر) لم يكن إِغراق مَن في السفينة، ولكنَّ النتيجة النهائية لخرق السفينة لم يكن سوى غرق مَن في السفينة، لذا فقد استخدم موسى (عليه السلام) (اللام الغائية) لبيان الهدف. مثل ذلك ما نقوله للشخص الذي يأكل كثيراً، عندما نقول لهُ: أتريد أن تقتل نفسك؟! بالطبع مِثل هذا لا يريد قتل نفسه بكثرة الطعام، إِلاَّ أنَّ نتيجة عمله قد تكون هكذا. «إِمر» على وزن «شمر» وتطلق على العمل المهم العجيب أو القبيح للغاية. وحقاً، لقد كان ظاهر عمل الرجل العالِم عجيباً وسيئاً للغاية، فهل هُناك عمل أخطر مِن أن يثقب شخص سفينة تحمل عدداً مِن المسافرين!