{ ذلك } إشارة إلى ما تضمنته الآيات وأشارت إليه من سعة العلم وكمال القدرة واختصاص الباري تعالى شأنه بها { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } أي بسبب أنه سبحانه وحده الثابت المتحقق في ذاته أي الواجب الوجود .
{ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } إلهاً { الباطل } المعدوم في حد ذاته وهو الممكن الذي لا يوجد إلا بغيره وهو الواجب تعالى شأنه { وَأَنَّ الله هُوَ العلى } على الأشياء { الكبير } عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف جل وعلا بنقص لا بشيء أعلى منه تعالى شأنه شأناً وأكبر سلطانا ، ووجه سببية الأول لما ذكر أن كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته يستلزم أن يكون هو سبحانه وحده الموجد لسائر المصنوعات البديعة الشأن فيدل على كمال قدرته عز وجل وحده والإيجاب قد أبطل في الأصول ومن صدرت عنه جميع هاتيك المصنوعات لا بد من أن يكون كامل العلم على ما بين في الكلام ، ووجه سببية الثالث لذلك أن كونه تعالى وحده علياً على جميع الأشياء متسلطاً عليها متنزهاً عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف بنقص عز وجل يستلزم كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته وقد سمعت الكلام فيه ، وأما وجه سببية كون ما يدعونه من دونه إلهاً باطلاً ممكناً في ذاته لذلك فهو أن إمكانه على علو شأنه عندهم على ما عداه مما لم يعتقدوا إلهيته يستلزم إمكان غيره مما سوى الله عز وجل لأن ما فيه مما يدل على إمكانه موجود في ذلك حذو القذة بالقذة ومتى كان ما يدعونه إلهاً من دونه تعالى وغيره مما سوى الله سبحانه وتعالى ممكناً انحصر وجوب الوجود في الله تعالى فيكون جل وعلا وحده واجب الوجود في ذاته وقد علمت إفادته للمطلوب وكأنه إنما قيل أن ما يدعون من دونه الباطل دون أن ما سواه الباطل مثلا نظير قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** تنصيصاً على فظاعة ما هم عليه واستلزام ذلك إمكان ما سوى الله تعالى من الموجودات من باب أولى بناء على ما يزعم المشركون في آلهتهم من علو الشأن ولم يكتف في بيان السبب بقوله سبحانه : { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } بل عطف عليه ما عطف مع أنه مما يعود إليه وتشعر تلك الجملة به إظهاراً لكمال العناية بالمطلوب وبما يفيده منطوق المعطوف من بطلان الشريك وكونه تعالى هو العلي الكبير .
وقيل : أي ذلك الاتصاف بما تضمنته الآيات من عجائب القدرة والحكمة بسبب أن الله تعالى هو الإله الثابت إلهيته وإن من دونه سبحانه باطل الإلهية وإن الله تعالى هو العلي الشأن الكبير السلطان ومدار أمر السببية على كونه سبحانه هو الثابت الإلهية وبين ذلك الطيبي بأنه قد تقرر أن من كان إلهاً كان قادراً خالقاً عالماً إلى غير ذلك من صفات الكمال ثم قال إن قوله تعالى ذلك بأن الله هو الحق كالفذلكة لما تقدم من قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ } [ لقمان : 13 ] إلى { هذا } وقوله تعالى : { وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } كالفذلكة لتلك الفواصل المذكورة هنالك كلها .
ولعل ما قدمنا أولى بالاعتبار ، وقال العلامة أبو السعود في الاعتراض على ذلك : أنت خبير بأن حقيته تعالى وعوله وكبرياءه وإن كانت صالحة لمناطية ما ذكر من الصفات لكن بطلان إلهية الأصنام لا دخل له في المناطية قطعاً فلا مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل هو تعكيس للأمر ضرورة أن الصفات المذكورة هي المقتضية لبطلانها لا أن بطلانها يقتضيها انتهى ، وفيه تأمل والعجب منه أنه ذكر مثل ما اعترض عليه في نظير هذه الآية في سورة الحج ولم يتعقبه بشيء .
وجوز أن يكون المعنى ذلك أي ما تلى من الآيات الكريمة بسبب بيان أن الله هو الحق إلهيته فقط ولأجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد ولأجل بيان بطلان إليهة ما يدعون من دونه لكونها شاهدة شهادة بينة لا ريب فيها ولأجل بيان أنه تعالى هو المرتفع على كل شيء المتسلط عليه فإن ما في تضاعيف تلك الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به أي بيان وهو وجه لا تكلف فيه سوى اعتبار حذف مضاف كما لا يخفى وكأنه إنما قيل هنا : وأن ما يدعون من دونه الباطل بدون ضمير الفصل ، وفي سورة الحج ( 62 ) { وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } بتوسيط ضمير الفصل لما أن الحط على المشركين وآلهتهم في هذه السورة دون الحط عليهم في تلك السورة .
وقال النيسابوري في ذلك أن آية الحج وقعت بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين فناسب ذلك توسيط الضمير بخلاف ما هنا ويمكن أن يقال تقدم في تلك السورة ذكر الشيطان مرات فلهذا ذكرت تلك المؤكدات بخلاف هذه السورة فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان فيها نحو ذكره هناك ، وقرأ نافع . وابن كثير . وابن عامر . وأبو بكر { تَدْعُونَ } بتاء الخطاب .
ومن باب الإشارة : { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق } إلى قوله سبحانه : { وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } [ لقمان : 30 ] فيه إشارة إلى أنه سبحانه تمام وفوق التمام ، والمراد بالأول من حصل له كل ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى : { هُوَ الحق } والمراد بالثاني من حصل له ذلك وحصل لما عداه ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى : { هُوَ العلى الكبير } ووراء هذين الشيئين ناقص وهو ما ليس له ما ينبغي كالصبي والمريض والأعمى ومكتف وهو من أعطى ما تندفع به حاجته في وقته كالإنسان الذي له من الآلات ما تندفع به حاجته في وقته لكنها في معرض التحلل والزوال
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
هذا الذي ذكر من صنع الله، والنهار والشمس والقمر {بأن الله} جل جلاله {هو الحق} وغيره باطل يدل على توحيده بصنعه.
{وأن ما يدعون} يعني يعبدون {من دونه} من الآلهة هو {الباطل} لا تنفعكم عبادتهم وليس بشيء.
{وأن الله هو العلي} يعني الرفيع فوق خلقه {الكبير} فلا أعظم منه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، وغير ذلك من عظيم قُدرته، إنما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه، ولا تصلح الألوهة إلاّ لمن فعل ذلك بقُدرته.
وقوله:"وأنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ" يقول تعالى ذكره: وبأن الذي يعبد هؤلاء المشركون من دون الله الباطل الذي يضمحلّ، فيبيد ويفني.
"وأنّ اللّهَ هُوَ العَلِيّ الكَبِيرُ "يقول تعالى ذكره: وبأن الله هو العليّ، يقول: ذو العلوّ على كلّ شيء، وكلّ ما دونه فله متذلل منقاد، الكبير الذي كل شيء دونه، فله متصاغر.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} أي: العلي: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله قال: {ذلك} أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة {بأن} أي بسبب أن {الله} أي الذي لا عظيم سواه {هو} وحده {الحق} أي الثابت بالحقيقة وثبوت غيره في الواقع عدم، لأنه مستفاد من الغير، وليس له الثبوت من ذاته، ومنه ما أشركوا به، ولذلك أفرده بالنص، فقال صارفاً للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذاناً بالغضب، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي {وأنَّ ما يدعون} أي هؤلاء المختوم على مداركهم، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله: {من دونه}.
ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه، كقوله {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وأكثر هنا من إظهار الجلالة موضع الإضمار تنبيهاً على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: {الباطل} أي العدم حقاً، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات، فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له.
ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق، قال: {وأن الله} أي الملك الأعظم وحده، ولما كان النيران مما عبد من دون الله، وكانا قد جمعاً علواً وكبراً، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلاً عن السفول والصغر، ختم بقوله: {هو العلي الكبير} أي عن أن يداينه في عليائه ضد، أو يباريه في كبريائه ند.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{ذلك} إشارةٌ إلى ما تُلي من الآياتِ الكريمةِ، وما فيهِ من مَعْنى البعدِ للإيذانِ ببُعد منزلتِها في الفضلِ...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} في ذاته وفي صفاته، ودينه حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، وعبادته هي الحق.
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} فلولا إيجاد اللّه له لما وجد، ولولا إمداده لَمَا بَقِيَ، فإذا كان باطلا، كانت عبادته أبطل وأبطل.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك.. ذلك النظام الكوني الثابت الدائم المنسق الدقيق.. ذلك النظام قائم بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل. قائم بهذه الحقيقة الكبرى التي تعتمد عليها كل حقيقة، والتي يقوم بها هذا الوجود. فكون الله هو الحق سبحانه هو الذي يقيم هذا الكون، وهو الذي يحفظه، وهو الذي يدبره، وهو الذي يضمن له الثبات والاستقرار والتماسك والتناسق، ما شاء الله له أن يكون.. (ذلك بأن الله هو الحق).. كل شيء غيره يتبدل. وكل شيء غيره يتحول. وكل شيء غيره تلحقه الزيادة والنقصان، وتتعاوره القوة والضعف، والازدهار والذبول، والإقبال والإدبار. وكل شيء غيره يوجد بعد أن لم يكن، ويزول بعد أن يكون. وهو وحده -سبحانه- الدائم الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يحول ولا يزول.. وكذلك: (وأن الله هو العلي الكبير).. الذي ليس غيره (علي) ولا (كبير)!!!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
و {العلي}: صفة مشتقة من العلوّ المعنويّ المجازي وهو القدسية والشرف.
والكبير: وصف مشتق من الكِبَر المجازي وهو عظمة الشأن.
فالله هو العلي بشهادة من كفر به، ثم أردف صفة (العلي) بصفة (الكبير)؛ لأن العلي يجوز أنه علا بطغيان وعدم استحقاق للعلو، لكن الحق سبحانه هو العلي، وهو الكبير الذي يستحق هذا العلو.