{ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الارض } رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد ، والتسخير على ما قال الراغب سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً ، وفي إرشاد العقل السليم المراد به إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقاداً له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سبباً لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشاً أو معاداً ، وأما جعله منقاداً للأمر مذللاً على أن معنى { لَكُمْ } لأجلكم فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخراً له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله عز وجل { وَأَسْبَغَ } أي أتم وأوسع { عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ } جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقاً للمسبب على السبب ، وفي معنى ذلك قولهم : هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمل عاقبته ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة ، ونقل الطيبي عن الإمام أنه قال : النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا : وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر ، والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة الشكر كونه إحساناً وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر فأي امتناع في اجتماعهما ، ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة ، وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها اه ، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته { ظاهرة وَبَاطِنَةً } أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة ، وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام ، وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة ، وقيل : الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم ، وقيل : الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة ، وقيل : الظاهرة نحو إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور .
وأول الغيث قطر ثم ينسكب *** ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال : الظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده والباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا ، والتعميم الذي أشرنا إليه أولاً أولى ، لكن أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطاء قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى : { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } قال : هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم .
وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه . والديلمي . والبيهقي . وابن النجار عن ابن عباس أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وَأَسْبَغَ } الخ قال : أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ستر من مساوىء عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال : الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص وإلا لتعارض الخبران .
ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوىء العمل نعمة ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت نعم الله تعالى عليه فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوىء العمل ولم يقل كذلك اعتماداً على وضوح الأمر ، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك ، أخرج ابن أبي حاتم . والبيهقي . عن مقاتل أنه قال في الآية : { ظاهرة } الإسلام { وَبَاطِنَةً } ستره تعالى عليكم المعاصي ، بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني وأما ما بطن فستر مساوىء عملك .
وجوز أن يكون { مَا } في ما ستر في الخبرين مصدرية ومن صلة ستر لا بيان لما وقرأ . يحيى بن عمارة وأصبغ بالصاد وهي لغة بني كلب يبدلون من السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صاداً فيقولون في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سائغ صائغ ولا فرق في ذلك بين أني يفصل بينهما فاصل وأن لا يفصل ، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضاً بين أن تتقدم السين على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر ، واشترط آخر تقدم السين ، وذكر الخفاجي أنه إبدال مطرد .
وقرأ بعض السبعة . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { نِعْمَتَ } بالإفراد . وقرئ { نِعْمَتَهُ } بالأفراد والإضافة ، ووجه الإفراد بإرادة الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 4 3 ] وقال الزجاج من قرأ . { نِعْمَتَ } فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد ومن قرأ نعمه بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم والأول أولى ، ونصب { ظاهرة وَبَاطِنَةً } في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة التنكير على الوصفية { وَمِنَ الناس مَن يجادل } من الجدال وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كان المتجادلين يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه . وقيل : الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة وكأن الجملة في موضع الحال من ضميره تعالى فيما قبل أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل والحال من الناس من ينازع ويخاصم كالنضر بن الحرث وأبي ابن خلف كانا يجادلان النبي صلى الله عليه وسلم { فِى الله } أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث ولم يقل فيه بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ } تهويلاً لأمر الجدال { بِغَيْرِ عِلْمٍ } مستفاد من دليل عقلي { وَلاَ هُدًى } راجع إلى رسول مأخوذ منه ، وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة وفيه بعد { وَلاَ كتاب } أنزله الله تعالى { مُّنِيرٍ } أي ذي نور ، والمراد به واضح الدلالة على المقصود ، وقيل : منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما قال سبحانه :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ( 21 )
ومن باب الإشارة : { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } قال الجنيد : النعم الظاهرة حسن الأخلاق والنعم الباطنة أنواع المعارف ، وقيل : على قراءة الأفراد النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العلم والباطنة طلب الحقيقة في الاتباع ، وقيل : النعمة الظاهر نفس بلا زلة والباطنة قلب بلا غفلة
ومن باب الإشارة : { ومِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } [ لقمان : 0 2 ] يشير إلى أهل الجدل من الفلاسفة فإنهم يجادلون في ذات الله تعالى وصفاته عز وجل كذلك عند التحقيق لأنهم لا يعتبرون كلام الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا الكتب المنزلة من السماء وأكثر علومهم مشوب بآفة الوهم ومع هذا فشؤون الله جل وعلا طور ما وراء طور العقل .
هيهات أن تصطاد عنقاء البقا *** بلعابهن عناكب الأفكار
وأبعد من محدب الفلك التاسع حصول علم بالله عز وجل وبصفاته جل شأنه يعتد به بدون نور إلهي يستضيء العقل به وعقولهم في ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد سدت أبواب الوصول إلا على متبع للرسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم مخاطباً لحضرة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات} الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح.
{وما في الأرض} الجبال والأنهار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام.
{وأسبغ عليكم نعمه}: وأوسع عليكم نعمه.
{ظاهرة} تسوية الخلق، والرزق، والإسلام.
{وباطنة} ما ستر من الذنوب من بني آدم، فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا، ونسأله تمام النعمة في الدنيا والآخرة، فإنه ولي كل حسنة.
{ومن الناس}... {من يجادل} يخاصم {في الله بغير علم} يعلمه...
{ولا هدى ولا كتاب منير} لا بيان معه من الله عز وجل: ولا كتاب مضيء له فيه حجة...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"ألَمْ تَرَوْا" أيها الناس "أنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ ما فِي السّمَوَاتِ "من شمس وقمر ونجم وسحاب، "وَما فِي الأرْضِ" من دابة وشجر وماء وبحر وفلك وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذّكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، "وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وبَاطِنَةً".
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين: «وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً» على الواحدة، ووجهوا معناها إلى أنه الإسلام، أو إلى أنها شهادة أن لا إله إلاّ الله. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: نِعَمَهُ على الجماع، ووجّهوا معنى ذلك، إلى أنها النعم التي سخرها الله للعباد مما في السموات والأرض، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله: "شاكِرا لأنْعُمهِ" قالوا: فهذا جمع النعم.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار متقاربتا المعنى، وذلك أن النعمة قد تكون بمعنى الواحدة، ومعنى الجماع، وقد يدخل في الجماع الواحدة. وقد قال جلّ ثناؤه "وَإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها" فمعلوم أنه لم يعن بذلك نعمة واحدة. وقال في موضع آخر: "ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه"، فجمعها، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ ذلك فمصيب...
وقوله: "ظاهِرَةً" يقول: ظاهرة على الألسن قولاً، وعلى الأبدان وجوارج الجسد عملاً. وقوله: "وَباطِنَةً" يقول: وباطنة في القلوب اعتقادا ومعرفة.
وقوله: "وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى" يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له بغير علم عنده بما يخاصم، "ولا هدى" يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول، "وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ" يقول: ولا بتنزيل من الله جاء بما يدعى، يبين حقية دعواه...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أحدهما: على الخبر، أي: قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر.
والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا أنه {سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى قضاء وطرهم كيف شاؤوا بما شاؤوا. أو أن يذكر قدرته وسلطانهم، أي إن من ملك تسخير ما ذكر لنا، ومكنا، وأقدرنا على تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به لقادر على البعث والإحياء بعد الموت وأنه لا يعجزه شيء، أو أن يذكر حكمته وعلمه أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم يكن هنالك بعث وعاقبة لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا.
{ما في السماوات وما في الأرض} يحتمل المطر والسحاب والشمس والقمر ونحوها مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض حتى لا تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء، ويحتمل الملائكة لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر.
{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} المجادلة في الله تحتمل في توحيد الله، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم يرسل، أو في البعث أيبعث أم لا يبعث؟ ونحوه، أو يجادل في كتابه.
{بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أسباب العلم ثلاثة: العقل والكتاب والسنة: يتفكر، وينظر بالعقل، فيعرف الكتاب بتأكيد ما يعرف بالعقل، ويعلم ما لاحظ العقل فيه، والسنة تعرّف، وتبين ما احتمل في الكتاب. فلا تكن مع الذين يجادلون رسول الله في الله في شيء من ذلك وخاصة أهل مكة، كانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في الله، وهم يعلمون أنه ليس معهم معقول ولا بيان من السنة والكتاب، والله أعلم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
السابغ: الواسع الذي يفضل عن مقدار القوت.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
نعمة: كل نفع قصد به الإحسان، والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان، وإما غير حيوان. فما ليس بحيوان نعمة على الحيوان، والحيوان نعمة من حيث أنّ إيجاده حياً نعمة عليه. لأنه لولا إيجاده حياً لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمة.
فإن قلت: لم كان خلق العالم مقصوداً به الإحسان؟ قلت: لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثاً، والعبث لا يجوز عليه ولا يجوز أن يكون لغرض راجع إليه من نفع؛ لأنه غني غير محتاج إلى المنافع، فلم يبق إلا أن يكون لغرض يرجع إلى الحيوان وهو نفعه.
الظاهرة والباطنة:الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ولا يهتدي إلى العلم بها،...
لما استدل بقوله تعالى: {خلق السماوات بغير عمد} على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبدا محضا للزم قبوله، فضلا عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مرارا أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضا، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السماوات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي. وذكر بعض النعم بقوله: {وأنزلنا من السماء ماء} ذكر بعده عامة النعم فقال: {سخر لكم ما في السماوات}.
{بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي، فقال تعالى: {يجادل} ذلك المجادل لا من علم واضح، ولا من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب، وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علما كما قال تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم} والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: {علمه شديد القوى} والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين...
ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب: {ولا كتاب منير} لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف، فلو قال ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال: {ولا كتاب منير} فإن ذلك الكتاب مظلم، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك...
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
الإسباغ: التعميم. ومنه قوله تعالى: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} أي: عممها...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
المرادُ بالتَّسخير إمَّا جعلُ المسخَّرِ بحيثُ ينفعُ المسخَّرَ له أعمًّ من أنْ يكونَ مُنقاداً له يتصرَّفُ فيه كيفَ يشاءُ ويستعملُه حسبما يريدُ كعامَّة ما في الأرضِ من الأشياءِ المسخَّرة للإنسانِ المستعملةِ له من الجمادِ والحيوانِ، أو لا يكونُ كذلك بل يكونُ سبباً لحصولِ مرادِه من غيرِ أن يكونَ له دخلٌ في استعمالِه كجميعِ ما في السَّمواتِ من الأشياءِ التي نِيطتْ بها مصالحُ العبادِ معاشاً أو مَعَاداً، وإما جعلُه منقاداً للأمرِ مذللاً على أنَّ معنى لكُم لأجلِكم فإنَّ جميعَ ما في السَّمواتِ والأرضِ من الكائناتِ مسخرةٌ لله تعالى مستتبعةٌ لمنافعِ الخلقِ، وما يستعملُه الإنسانُ حسبما يشاءُ وإن كان مسخَّراً له بحسبِ الظَّاهرِ فهو في الحقيقةِ مسخَّرٌ لله تعالى.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
والتسخير على ما قال الراغب: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
تبدأ بعرض الدليل الكوني مرتبطا بالناس، متلبسا بمصالحهم وحياتهم ومعاشهم، متعلقا بنعم الله عليهم، نعمه الظاهرة ونعمه الباطنة، تلك التي يستمتعون بها، ولا يستحيون معها أن يجادلوا في الله المنعم المتفضل الوهاب.. ثم تسير على هذا النسق في تقرير القضية الأولى التي عالجتها الجولتان الأولى والثانية..
وهذه اللفتة المكررة في القرآن بشتى الأساليب تبدو جديدة في كل مرة، لأن هذا الكون لا يزال يتجدد في الحس كلما نظر إليه القلب، وتدبر أسراره، وتأمل عجائبه التي لا تنفد؛ ولا يبلغ الإنسان في عمره المحدود أن يتقصاها؛ وهي تبدو في كل نظرة بلون جديد، وإيقاع جديد. والسياق يعرضها هنا من زاوية التناسق بين حاجات الإنسان على الأرض وتركيب هذا الكون! مما يقطع بأن هذا التناسق لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة؛ وأنه لا مفر من التسليم بالإرادة الواحدة المدبرة، التي تنسق بين تركيب هذا الكون الهائل وحاجات البشر على هذا الكوكب الصغير الضئيل.. الأرض..!
إن الأرض كلها لا تبلغ أن تكون ذرة صغيرة في بناء الكون. والإنسان في هذه الأرض خليقة صغيرة هزيلة ضعيفة بالقياس إلى حجم هذه الأرض، وبالقياس إلى ما فيها من قوى ومن خلائق حية وغير حية، لا يعد الإنسان من ناحية حجمه ووزنه وقدرته المادية شيئا إلى جوارها. ولكن فضل الله على هذا الإنسان ونفخته فيه من روحه، وتكريمه له على كثير من خلقه.. هذا الفضل وحده قد اقتضى أن يكون لهذا المخلوق وزن في نظام الكون وحساب. وأن يهئ الله له القدرة على استخدام الكثير من طاقات هذا الكون وقواه، ومن ذخائره وخيراته. وهذا هو التسخير المشار إليه في الآية، في معرض نعم الله الظاهرة والباطنة، وهي أعم من تسخير ما في السماوات وما في الأرض.
فوجود الإنسان ابتداء نعمة من الله وفضل؛ وتزويده بطاقاته واستعداداته ومواهبه هذه نعمة من الله وفضل؛ وإرسال رسله وتنزيل كتبه فضل أكبر ونعمة أجل؛ ووصله بروح الله من قبل هذا كله نعمة من الله وفضل؛ وكل نفس يتنفسه، وكل خفقة يخفقها قلبه، وكل منظر تلتقطه عينه، وكل صوت تلتقطه أذنه، وكل خاطر يهجس في ضميره، وكل فكرة يتدبرها عقله...
(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير).. وتبدو هذه المجادلة مستغربة مستنكرة في ظل ذلك البرهان الكوني، وفي جوار هذه النعمة السابغة ويبدو الجحود والإنكار بشعا شنيعا قبيحا، تنفر منه الفطرة ويقشعر منه الضمير. ويبدو هذا الفريق من الناس الذي يجادل في حقيقة الله، وعلاقة الخلق بهذه الحقيقة. يبدو منحرف الفطرة ولا يستجيب لداعي الكون كله من حوله؛ جاحدا النعمة لا يستحيي أن يجادل في المنعم بكل هذه النعم السابغة. ويزيد موقفه بشاعة أنه لا يرتكن في هذا الجدال إلى علم، ولا يهتدي بهدى، ولا يستند إلى كتاب ينير له القضية ويقدم له الدليل...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى: {خَلَق السَّماوات بِغَير عمد} [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض.
الخطاب في {ألم تروا} يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه امتنان، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال.
الاستفهام في {ألم تروا} تقرير أو إنكار لِعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية. والرؤية بصرية. ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله. ويجوز أن تكون الرؤية علمية كذلك، والخطاب للمشركين كما في قوله {خلق السماوات بغير عَمد ترونها}.
{وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ} الواو في قوله {ومن الناس من يجادل} واو الحال. والمعنى: قد رأيتم أن الله سخّر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعماً ضافية في حال أن بعضكم يجادل في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته. وجملة الحال هنا خبر مستعمل في التعجيب من حال هذا الفريق. ولك أن تجعل الواو اعتراضيَّة والجملة معترضة بين جملة {ألم تروا أن الله سخر لكم} وبين جملة {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض} [لقمان: 25].
{ومِنَ النَّاس} من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل: ومنكم.
وشمل قوله {بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} مراتبَ اكتساب العلم وهي إما: الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة...
التسخير: هو الانقياد للخالق الأعلى بمهمة يؤديها بلا اختيار في التنقل منها.
"وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً".. أتمها إتماما يستوعب كل حركة حياتكم، ويمدكم دائما بمقومات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء، لا في استبقاء الحياة، ولا في استبقاء النوع، لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق. أما إذا رأيت قصورا في ناحية، فالقصور من ناحية الخلق في أنهم لم يستنبطوا من معطيات الكون، أو استنبطوا خيرات الكون، لكن بخلوا بها وضنوا على غيرهم.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ... الجدل المراد به تقوية الحق وإظهاره. فإن كان الجدل غير ذلك فهو مماراة يحرص فيها كل طرف على أن يعلى رأيه ولو بالباطل. والحق سبحانه يبين لنا أن من الناس من ألف الجدل في الله على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ} أي: وجودا وصفاتا {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} يعني: أن الجدل يصح إن كان بعلم وهدى وكتاب منير، فإن كان بغير ذلك فلا يعدّ جدلا إنما مراء لا طائل من ورائه.
ووصف الكتاب بأنه منير يدلنا على أن الكتاب المنسوب إلى الله تعالى لا بدّ أن يكون منيرا...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} مما يتحرك في العقل من حججٍ وأدلّة {وَلاَ هُدًى} مما يمكن أن يؤكد الفكرة المضادة على أساس الوضوح الذي يزيل الغموض، ويمنع من الالتباس، ويحمي من الضياع، {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} يشتمل على الحقائق المشرقة التي تضيء للناس سبيل الحق، فتدلهم عليه في الفكر وفي الحياة. وتلك هي مشكلة هؤلاء الناس، أنهم لا ينطلقون في جدالهم من قاعدة عقلية أو وجدانية أو حسيةٍ في حركة الأفكار التي يثيرونها، والكلمات التي يديرونها، والخطاب الذي يطلقونه، بل ينطلقون من تقليد الآباء والأجداد، ومن الأهواء الجامحة، والانفعالات الهائجة، مما لا يستقيم به الفكر، ولا ترتكز عليه الحياة، الأمر الذي يحوّل الجدال إلى أساليب السباب والتهاتر والبعد عن الحقيقة، لأنه يفقد القاعدة التي يدور حولها الحوار، وتنطلق منها التفاصيل، فيقفزون من موضوع إلى موضوع، ويهربون من موقعٍ إلى موقعٍ، ويستغرقون في الجزئيات بعيداً عن القاعدة العامة التي تحكم الجميع. وهذا هو الفرق بين الذين يملكون العلم فيجادلون على أساسه، وبين الذين يملكهم الجهل، فيضيعون في متاهاته ويتخبطون خبط عشواء.
وفي ضوء ذلك، فإن القرآن يريد أن يؤكد الحوار من أجل العقيدة والجدال في إثبات حقائقها من ناحية المبدأ، ولكنه يشترط فيه العلم والوعي والوضوح في الوسائل والأهداف.