روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (21)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بادعائه أن له جل شأنه شريكاً وبقوله الملائكة بنات الله ، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله . وعد من ذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام الموعود في الكتابين بخلاف أوصافه . والاستفهام للاستعظام الادعائي . والمشهور أن المراد إنكار أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساوياً له ، والتركيب وإن لم يدل على إنكار المساواة وضعاً كما قال العلامة الثاني في «شرح المقاصد وحواشي الكشاف » يدل عليه استعمالاً فإذا قلت : لا أفضل في البلد من زيد فمعناه أنه أفضل من الكل بحسب العرف ، والسر في ذلك أن النسبة بين الشيئين إنما تتصور غالباً لا سيما في باب المغالبة بالتفاوت زيادة ونقصاناً فإذا لم يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة .

وادعى بعض المتأخرين أنه سنح له في توجيه ذلك نكتة حسنة ودقيقة مستحسنة وهي أن المتساويين بل المتقاربين في نفس الأمر لا يسلم كل واحد منهما أن يفضل عليه صاحبه فإن كل أحد لا يقدر على أن يقدر كل شيء حق قدره وكل إنسان لا يقوى على أن يعرف كل أمر على ما هو عليه فإن الأفهام في مقابلة الأوهام متفاوتة والعقول في مدافعة الشكوك متباينة ، فإذا حكم بعض الناس مثلاً بالمساواة بين المتساويين في نفس الأمر فقد يحكم البعض الآخر برجحان ذلك على حسب منتهى أفهامهم ومبلغ عقولهم ومدرك إدراكهم فكل ما يوجد من يساويه في نفس الأمر يوجد من يفضل عليه بحسب اعتقاد الناس بل كلما يوجد من يقاربه فيه يوجد من يفوقه في ظنون العامة وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما لا يوجد من يفضل عليه لا يوجد من يساويه بل من يقاربه أيضاً وهو المطلوب ، وبالجملة إن إثبات المساوي يستلزم إثبات الراجح الفاضل فنفي الفاضل يستلزم نفي المساوي لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما أن إثبات الملزوم يستلزم إثبات اللازم وفيه تأمل .

وادعى بعض المحققين أن دلالة التركيب على نفي المساواة وضعية لأن غير الأفضل إما مساو أو أنقص/ فاستعمل في أحد فرديه . قال ابن الصائغ في مسألة الكحل : إن ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد وإن كان نصاً في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصان إلا أن المراد الأخير وهو من قصر الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى . وأنت تعلم أن هذا مشعر باعتبار العرف أيضاً .

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ } كأن كذب بالقرآن الذي من جملته الآية الناطقة بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أو بسائر المعجزات التي أيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سماها سحراً ، وعد من ذلك تحريف الكتاب وتغيير نعوته صلى الله عليه وسلم الذي ذكرها الله تعالى فيه ، وإنما ذكر { أَوْ } وهم جمعوا بين الأمرين إيذاناً بأن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس ، وقيل : نبه بكلمة { أَوْ } على أنهم جمعوا بين أمرين متناقضين يعني أنهم أثبتوا المنفي ونفوا الثابت ، والمراد بالمتناقضين أمران من شأنهما أن لا يجمع بينهما عرفا أو يقال : إن من نفي الثابت بالبرهان يكون بنفي ما لم يثبت به أولى ، كذلك في الطرف الآخر فالجمع بينهما جميع بين المتناقضين من هذا الوجه .

وادعى بعضهم أن وجه التناقض المشعر به هذا العطف أن الافتراء على الله تعالى دعوى وجوب القبول بلا حجة ما ينسب إليه تعالى وتكذيب الآيات دعوى أنه يجب أن لا يقبل ما ينسب إليه تعالى ولو أقيم عليه بينة ويجب أن ينكر التنبيه ويرتكب المكابرة بناء على أن الرسول يجب أن يكون ملكاً . ولا يخفى أن في دعوى التناقض خفاء ، وهذه التوجيهات لا ترفعه .

{ أَنَّهُ } أي الشأن ، والمراد أن الشأن الخطير هذا وهو { لاَ يُفْلِحُ } أي لا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مكروه { الظالمون } من حيث إنهم ظالمون فكيف يفلح الأظلم من حيث إنه أظلم .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بإثبات وجود غيره تعالى أو كذب بآياته فأظهر صفات نفسه { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } [ الأنعام : 21 ] لاحتجابهم بما وضعوه في موضع ذات الله تعالى وصفاته جل وعلا

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (21)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ومن أظلم}، يقول: فلا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذبا} بأن معه شريكا لقولهم: إن مع الله آلهة أخرى، ثم قال: {أو كذب بآياته}، يعني بالقرآن أنه ليس من الله، {إنه لا يفلح الظالمون}، يعني المشركين في الآخرة، يعيبهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ومن أشدّ اعتداء وأخطأُ فعلاً وأخطل قولاً "مِمّنِ افْتَرَى على اللّهِ كَذِبا": ممن اختلق على الله قيل باطل، واخترق من نفسه عليه كذبا، فزعم أن له شريكا من خلقه وإلها يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان، أو ادّعى له ولدا أو صاحبة كما قالته النصارى. "أوْ كَذّبَ بآياتِهِ": أو كذّب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوّتهم كذّبت بها اليهود. "إنّه لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ": إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل، ولا يدركون البقاء في الجنان، والمفترون عليه الكذب والجاحدون بنبوّة أنبيائه.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، وأخبر عنه بخلاف ما أخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لا أحد أظلم لنفسه منه إذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لا يفلح أي لا يفوز برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولا بالنجاة من النار، لأن الظلم -هاهنا هو الكفر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وذلك لا يغفر بلا خلاف.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرَّهم إلى الإصرار على الكذب على الله تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذَبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذَّبوا بما ثبت بالحجة البينة، والبرهان الصحيح، حيث قالوا: {لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا} [الأنعام: 148] وقالوا: {والله أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28] وقالوا: {الملائكة بَنَاتُ الله} و {هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله} [يونس: 18] ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذَّبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحراً، ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين في هذه الآية سبب ذلك الخسران، وهو أمران: أحدهما: أن يفترى على الله كذبا، وهذا الافتراء يحتمل وجوها: الأول: أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات الله، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب. وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي، وثالثها: ما ذكره الله تعالى في قوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها} ورابعها: أن اليهود كانوا يقولون {نحن أبناء الله وأحباؤه} وكانوا يقولون {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} وخامسها: أن بعض الجهال منهم كان يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها إلى الله كثيرة، وكلها افتراء منهم على الله. والنوع الثاني: من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال: {إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان...

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

{ومن أظلم} لفظه استفهام ومعناه: لا أحد أظلم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان التقدير: خسروا ففاتهم الإيمان، لأنهم ظلموا بكتمان الشهادة، فكان الظلم سبب خسرانهم، فمن أظلم منهم! عطف عليه ما يؤذن بأنهم بدلوا كتابهم، أو نسبوا إليه ما ليس فيه، فقال واضعاً للظاهر موضع ضميرهم لذلك: {ومن أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله كذباً} كهؤلاء الذين حرفوا كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله، زيادة كتبوها بأيديهم لا أصل لها، إضلالاً منهم لعباده {أو كذب بآياته} أي الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات كالمشركين، لا أحد أظلم منهم فهم لا يفلحون {إنه لا يفلح الظالمون} أي فكيف بالأظلمين!.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي لا أحد، أظلم ممن افترى على الله كذبا كزعم من زعم أن له ولدا أو شريكا أو أن غيره يدعى معه أو من دونه ويتخذ وليا له بقرب الناس إليه زلفى ويشفع لهم عنده، أو زاد في دينه ما ليس منه-أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن المجيد، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته والتي يؤيد بها رسله، وإذا كان كل من هذا التكذيب وذلك الكذب والافتراء يعد وحده غاية في الظلم ويطلق على صاحبه اسم التفضيل فيه فكيف يكون حال من جمع بينهما فكذب على الله وكذب بآياته المثبتة للتوحيد والمثبتة للرسالة؟. ثم بين سوء عاقبة الظالمين فقال: {إنه لا يفلح الظالمون (21)} هذا استئناف بياني وقع موقع جواب السؤال أي الحال والشأن أن الظالمين عامة لا يفوزون في عاقبة أمرهم يوم الحساب والجزاء بالنجاة من عذاب الله تعالى ولا بنعيم الجنة مهما يكن نوع ظلمهم، فكيف تكون عاقبة من وصف بأنه لا أحد أظلم منه لافترائه على الله تعالى أو لتكذيبه بآياته؟ ثم كيف تكون عاقبة من جمع بين هذين الأمرين الأقبحين فكان أظلم الظالمين؟.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذا استطراد في مواجهة المشركين بحقيقة ما يزاولونه، ووصف موقفهم وعملهم في تقدير الله سبحانه.. مواجهة تبدأ باستفهام تقريري لظلمهم بافتراء الكذب على الله؛ وذلك فيما كانوا يدعونه من أنهم على دينه الذي جاء به إبراهيم عليه السلام؛ ومن زعمهم أن ما يحلونه وما يحرمونه من الأنعام والمطاعم والشعائر -كالذي سيجيئ في آخر السورة مشفوعا بقوله تعالى: (بزعمهم)- هو من أمر الله.. وليس من أمره. وذلك كالذي يزعمه بعض من يدعون اليوم أنهم على دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون "! وهو من الكذب المفترى على الله. ذلك أنهم يصدرون أحكاما وينشئون أوضاعا، ويبتدعون قيما من عند أنفسهم يغتصبون فيها سلطان الله ويدعونه لأنفسهم، ويزعمون أنها هي دين الله؛ ويزعم لهم بعض من باعوا دينهم ليشتروا به مثوى في دركات الجحيم، أنه هو دين الله!.. وباستنكار تكذيبهم كذلك بآيات الله، التي جاءهم بها النبي صلى الله عليه وسلم فردوها وعارضوها وجحدوها. وقالوا: إنها ليست من عند الله. بينما هم يزعمون أن ما يزاولونه في جاهليتهم هو الذي من عند الله! وذلك كالذي يحدث من أهل الجاهلية اليوم.. حذوك النعل بالنعل..

يواجههم باستنكار هذا كله؛ ووصفه بأنه أظلم الظلم:

(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته!)..

والظلم هنا كناية عن الشرك. في صورة التفظيع له والتقبيح. وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك. وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه. ذلك أن الشرك ظلم للحق، وظلم للنفس، وظلم للناس. هو اعتداء على حق الله -سبحانه- في أن يوحد ويعبد بلا شريك. واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار. واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق، وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء.. ومن ثم فالشرك ظلم عظيم، كما يقول عنه رب العالمين. ولن يفلح الشرك ولا المشركون:

(إنه لا يفلح الظالمون)..

والله -سبحانه- يقرر الحقيقة الكلية؛ ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين -أو للظلم والظالمين- فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر، في الأمد القريب، فلاحا ونجاحا.. فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار.. ومن أصدق من الله حديثا؟..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على جملة {الذين خسروا أنفسهم} [الأنعام: 20]. فالمراد بهم المشركون مثل قوله: {ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} وقد تقدَّم نظيره في سورة البقرة (114). والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في الجاهلية بما فيها من تكاذيب، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة. وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا بينهما.

وجملة: {إنّه لا يفلح الظالمون} تذييل، فلذلك فصلت، أي إذا تحقّق أنّهم لا أظلم منهم فهم غير مفلحين، لأنّه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه النهاية، فاستغنى بذكر العلّة عن ذكر المعلول.

وموقع (إنّ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة، كما تقرّر في كلام عبد القاهر. وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيراً له في نفس السامع موقع الرسوخ.

والافتراء الكذب المتعمّد. وقوله: {كذباً} مصدر مؤكَّد له، وهو أعمّ من الافتراء. والتأكيد يحصل بالأعم، كما قدّمناه في قوله تعالى: {ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في سورة المائدة (103)، وقد نفى فلاحهم فعمّ كلّ فلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الفلاح المعتدّ به في نظر الدين في الدنيا هو الإيمان والعمل، وهو سبب فلاح الآخرة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

خسارة النفس أفظع أشكال الظلم. وليست قضية الخسارة هنا مجرد خسارةٍ ذاتية، ولكنها أفظع أشكال الظلم، وأيّ ظلم أعظم من أن يظلم الإنسان ربّه؟ لا ظلمَ القوّة، لأن الإنسان يمثّل الضعف كله أمام الله، ولكنه ظلم الافتراء والكذب...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أشدّ الظّلم:

تواصل هذه الآيات المنهج القرآني في مقارعة الشرك وعبادة الأصنام بشكل شامل، تقول الآية الاُولى بصراحة وبصورة استفهام استنكاري: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته)؟ الجملة الأُولى في الواقع إِشارة إِلى إنكار التوحيد، والثّانية إِشارة إِلى إِنكار النّبوة... حقّاً لا ظلم أكبر من أن يتخذ المرء قطعة جماد لا قيمة لها، أو إِنساناً ضعيفاً مثله شريكاً لربّ لا تحدّه، حدود، وله الحكم على كل عالم الوجود، فهذا ظلم من جهات ثلاث: ظلم لذات الله بالقول بوجود شريك له، وظلم للشخص نفسه بالحط من قدره إِلى حد السجود والخضوع لقطعة حجر أو خشب، وظلم بحق المجتمع الذي يسبب له الشرك والتشتت والتفرق والابتعاد عن روح الوحدة والتوحد. فلا شك إِذن في أنّ أي ظالم وعلى الأخص أُولئك الذين لظلمهم جوانب متعددة لا يمكن أن يرى السعادة والفلاح: (إِنّه لا يفلح الظالمون). إِنّ لفظة «الشّرك» لم ترد صراحة في الآية، ولكن بأخذ الآيات السابقة واللاّحقة لها بنظر الاعتبار التي تدور حول الشرك، يتّضح أنّ القصد من كلمة «افتراء» هو القول بوجود شريك لله سبحانه. وممّا يلفت النظر أنّ القرآن يصف في خمسة عشر موضعاً بعض الناس بأنّهم من أظلم الناس في سياق الاستفهام: «ومن أظلم...» أو «فمن أظلم...» وعلى الرغم من أنّ معظم تلك الآيات تتناول الشرك وعبادة الأصنام وإِنكار آيات الله، أي أنّها تدور حول التوحيد، فإنّ بعضاً آخر منها يدور حول أُمور أُخرى، مثل (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه). وقول سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله). هنا يثار هذا السّؤال: كيف يمكن أن تكون كل طائفة من هؤلاء أظلم الناس، في حين أنّ صفة (الأظلم) لا يمكن أن تنطبق إِلاّ على طائفة واحدة منها؟ نقول في الجواب: كل هذه الحالات تستقي في الحقيقة من منبع واحد، وهو الشرك والكفر والعناد. فمنع الناس من ذكر الله في المساجد والسعي في خرابها دليل على الكفر والشرك، وكتمان الشهادة أي كتمان الحقائق المؤدي إِلى حيرة الناس وضلالهم، هو معلم من معالم الشرك وإنكار وحدانية الله...