روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} (107)

{ فألقى عَصَاهُ } وكانت كما روى ابن المنذر . وابن أبي حاتم من عوسج . وروى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز .

وأخرج عبد بن حميد . وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها عصا آدم عليه السلام أعطاها لموسى ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه ، والمشهور أنها كانت من آس الجنة وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى شعيب فأعطاه إياها ، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسمها مأشا { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ } أي حية ضخمة طويلة . وعن الفراء أن الثعبان هو الذكر العظيم من الحيات . وقال آخرون : إنه الحية مطلقاً .

وفي «مجمع البيان » أنه مشتق من ثعب الماء إذا انفجر ، فكأنه سمي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر { مُّبِينٌ } أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعباناً ؛ فهو إشارة إلى أن الصيرورة حقيقية لا تخييلية ، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك ، وروى عن ابن عباس . والسدي أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حية صفراء شعراء فاغرة فاهاً بين لحييا ثمانون ذراعاً وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره هارباً وأحدث ، وفي بعض الروايات أنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة ، وفي أخرى أنه استمر معه داء البطن حتى غرق ، وقيل : إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وأنها حملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً ، فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذها فعادت عصا كما كانت ، وعن معمر أنها كانت في العظم كالمدينة ، وقيل : كان طولها ثمانين ذراعاً ، وعن وهب بن منبه أن بين لحييها اثني عشر ذراعاً ، وعلى جميع الروايات لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه : { كَأَنَّهَا جَانٌّ } [ النمل : 10 ] بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا : إن القصة غير واحدة ، أو أن المقصود من ذلك تشبيهاً في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها ، أو لما قيل : إنها انقلبت جاناً وصارت ثعباناً فحكيت الحالتان في آيتين ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك . والآية من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب ، إذ لو كان ذلك تخييلاً لبطل الإعجاز ، ولم يكن لذكر مبين معنى مبين ، وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر ، ويدل لذلك أيضاً أنه لا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له ، والقول بأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهباً رصاص مموه ، والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهباً على ما هو رأي المحققين ، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصفي الذي صار به نحاساً ويخلقفيه الوصف الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات ، والمحال إنما هو انقلابه ذهباً مع كونه نحاساً لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً ، وعلى أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا .

/خ107

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} (107)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فألقى} موسى {عصاه} من يده، {فإذا هي ثعبان مبين}، يعني حية بينة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه:"فَألْقَى مُوسَى عَصَاهُ فإذَا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ" قال حية، مُبِينٌ يقول: تتبين لمن يراها أنها حية... والثعبان: الذكر من الحيات...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إنما أظهر له المعجزةَ مِنْ عَصَاه لطولِ مقارنته إياها، فالإنسانُ إلى ما أَلِفَه أَسْكَنُ بقلبه. فلمَّا رأى ما ظهر في العصا من الانقلاب أخذ موسى عليه السلام في الفرار لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق، وفي هذا إشارة إلى أنَّ السكونَ إلى شيءٍ غِرَّةٌ وغفلةٌ إيش ما كان...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} ظاهر أمره لا يُشَك في أنه ثعبان.

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

وفي كون الثعبان مبيناً وجوه:

الأول: أنه تميز وتبين ذلك عما عملته السحرة من التمويه والتلبيس وبذلك تتميز معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تمويه السحرة وتخليهم.

الوجه الثاني: أنهم شاهدوا العصا انقلبت حية ولم يشتبه ذلك عليهم فذلك قال ثعبان مبين أي بيِّن.

الوجه الثالث: إن ذلك الثعبان لما كان معجزة لموسى عليه الصلاة والسلام كان من أعظم الآيات التي أبانت صدق قول موسى عليه الصلاة والسلام في أنه رسول من رب العالمين.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وقوله: {فإذا هي} يوضح الفجائية التي أذهلت فرعون، فقد تحولت العصا إلى ثعبان ضخم في لمح البصر بمجرد إلقائها، ومن فوائد تدريب سيدنا موسى على إلقاء العصا في طور سيناء أن موسى لن تأخذه المفاجأة حين يلقيها أمام فرعون، بل ستأخذ المفاجأة فرعون. كأن التدريب أولا لإقناع موسى وضمان عدم خوفه في لحظة التنفيذ، وقد خاف منها موسى لحظة التدريب؛ لأن العصا صارت ثعبانا وحيّة حقيقية، ولو كانت من نوع السحر لظلت عصا في عين الساحر ولا يخاف منها، إذن خوفه منها إبّان التدريب دليل على أنها انقلبت حقيقة، لا تخيلا، وتلك هي مخالفة المعجزة للسحر، فالمعجزة حقيقة والسحر تخييل، وهذا هو الذي سيجعل السحرة يخرون ساجدين لأنهم ذهلوا مما حدث.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ومن دون تأخير أخرج موسى معجزتيه العظميتين التي كانت إحداهما مظهر «الخوف» والأُخرى مظهر «الأمل» وكانتا تكملان مقام إنذاره ومقام تبشيره، وألقى في البداية عصاه: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين). والتعبير ب «المبين» إشارة إلى أنّ تلك العصا التي تبدلت إلى ثعبان حقّاً، ولم يكن سحراً وشعبذة وما شاكل ذلك، على العكس من فعل السحرة لأنّه يقول في شأنهم: إنّهم مارسوا الشعبذة والسحر، وعملوا ما تصوره الناس حيات تتحرك، وما هي بحيات حقيقة وواقعاً. إنّ ذكر هذه النقطة أمرٌ ضروري، وهي أنّنا نقرأ في الآية (10) من سورة النمل، والآية (31) من سورة القصص، أن العصا تحركت كالجانّ، و «الجانّ» هي الحيات الصغيرة السريعة السير، وإنّ هذا التعبير لا ينسجم مع عبارة «ثعبان» التي تعني الحية العظيمة ظاهراً. ولكن مع الالتفات إلى أنّ تينك الآيتين ترتبطان ببداية بعثة موسى، والآية المبحوثة هنا ترتبط بحين مواجهته لفرعون، تنحل المشكلة، وكأن الله أراد أن يوقف موسى على هذه المعجزة العظيمة تدريجاً فهي تظهر في البداية أصغر، وفي الموقف اللاحق تظهر أعظم...