وجعل بل في قوله تعالى : { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للانتقال من هذا القسم والمقسم عليه إلى ذكر حال تعزز الكفار ومشاقتهم في قبولهم رسالته صلى الله عليه وسلم وامتثال ما جاء به وهي كذلك على كثير من الوجوه السابقة ، وقد تجعل على بعضها للإضراب عن الجواب بأن يقال مثلاً : إنه لمعجز بل الذين كفروا في استكبار من الإذعان لإعجازه أو هذه السورة التي أعجزت العرب بل الذين كفروا لا يذعنون ، وجعلها بعضهم للإضراب عما يفهم مما ذكر ونحوه من أن من كفر لم يكفر لخلل فيه فكأنه قيل : من كفر لم يكفر لخلل فيه بل كفر تكبراً عن اتباع الحق وعناداً ، وهو أظهر من جعل ذلك إضراباً عن صريحه ، وإن قدر نحو هذا المفهوم جواباً فالإضراب عنه قطعاً . وفي «الكشف » عد هذا الإضراب من قبيل الإضراب المعنوي على نحو زيد عفيف عالم بل قومه استخفوا به على الإضراب عما يلزم الأوصاف من التعظيم كما نقل عن بعضهم عدول عن الظاهر ، ويمكن أن يكون الجواب الذي عنه الإضراب ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم ، ويشعر به الآيات بعد وسبب النزول الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فكأنه قيل ص والقرآن ذي الذكر ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم بل الذين كفروا مقصرون في اتباعك والاعتراف بالحق ، ووجه دلالة ما في النظم الجليل على قولنا بل الذين كفروا مقصرون الخ ظاهر ، وهذه عدة احتمالات بين يديك وإليك أمر الاختيار والسلام عليك .
والمراد بالعزة ما يظهرونه من الاستكبار عن الحق لا العزة الحقيقية فإنها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وأصل الشقاق المخالفة وكونك في شق غير شق صاحبك أو من شق العصا بينك وبينه ، والمراد مخالفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والتنكير للدلالة على شدتهما ، والتعبير بفي على استغراقهم فيهما .
وقرأ حماد بن الزبرقان . وسورة عن الكسائي . وميمونة عن أبي جعفر . والجحدري من طريق العقيلي في { غرة } بالغين المعجمة المكسورة والراء المهملة أي في غفلة عظيمة عما يجب عليهم من النظر فيه ، ونقل عن ابن الأنباري أنه قال في كتاب الرد على من خالف الإمام : إنه قرأ بها رجل وقال : إنها أنسب بالشقاق وهو القتال بجد واجتهاد وهذه القراءة افتراء على الله تعالى اه وفيه ما فيه .
وقوله - تعالى - : { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } انتقال من القسم والمقسم به ، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد .
والمراد بالعزة هنا : الحمية والاستكبار عن اتباع الحق ، كما في قوله - تعالى - :
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد } وليس المراد بها القهر والغلبة كما فى قوله - تعالى - : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ } وأصل الشقاق : المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما فى شق غير الذى فيه الآخر . والمراد به هنا : مخالفة المشركين لما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم .
والمعنى : وحق القرآن الكريم ذى الشرف وسمو القدر . إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك ، ولست كما يقول أعداؤك فى شأنك . بل الحق أن هؤلاء الكافرين فى حمية واستكبار عن قبول الهداية التى جئتهم بها من عند ربك ، وفى مخالفةٍ ومعارضةٍ لكل مالا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام ، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة .
والتعبير بفى قوله { فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للإِشعار بأن ما هم علهي من عناد ومن مخالفته للحق ، قد أحاط بهم من كل جوانبهم ، كما يحيط الظرف بالمظروف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.