روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ} (2)

وجعل بل في قوله تعالى : { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للانتقال من هذا القسم والمقسم عليه إلى ذكر حال تعزز الكفار ومشاقتهم في قبولهم رسالته صلى الله عليه وسلم وامتثال ما جاء به وهي كذلك على كثير من الوجوه السابقة ، وقد تجعل على بعضها للإضراب عن الجواب بأن يقال مثلاً : إنه لمعجز بل الذين كفروا في استكبار من الإذعان لإعجازه أو هذه السورة التي أعجزت العرب بل الذين كفروا لا يذعنون ، وجعلها بعضهم للإضراب عما يفهم مما ذكر ونحوه من أن من كفر لم يكفر لخلل فيه فكأنه قيل : من كفر لم يكفر لخلل فيه بل كفر تكبراً عن اتباع الحق وعناداً ، وهو أظهر من جعل ذلك إضراباً عن صريحه ، وإن قدر نحو هذا المفهوم جواباً فالإضراب عنه قطعاً . وفي «الكشف » عد هذا الإضراب من قبيل الإضراب المعنوي على نحو زيد عفيف عالم بل قومه استخفوا به على الإضراب عما يلزم الأوصاف من التعظيم كما نقل عن بعضهم عدول عن الظاهر ، ويمكن أن يكون الجواب الذي عنه الإضراب ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم ، ويشعر به الآيات بعد وسبب النزول الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فكأنه قيل ص والقرآن ذي الذكر ما أنت بمقصر في تذكير الذين كفروا وإظهار الحق لهم بل الذين كفروا مقصرون في اتباعك والاعتراف بالحق ، ووجه دلالة ما في النظم الجليل على قولنا بل الذين كفروا مقصرون الخ ظاهر ، وهذه عدة احتمالات بين يديك وإليك أمر الاختيار والسلام عليك .

والمراد بالعزة ما يظهرونه من الاستكبار عن الحق لا العزة الحقيقية فإنها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وأصل الشقاق المخالفة وكونك في شق غير شق صاحبك أو من شق العصا بينك وبينه ، والمراد مخالفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والتنكير للدلالة على شدتهما ، والتعبير بفي على استغراقهم فيهما .

وقرأ حماد بن الزبرقان . وسورة عن الكسائي . وميمونة عن أبي جعفر . والجحدري من طريق العقيلي في { غرة } بالغين المعجمة المكسورة والراء المهملة أي في غفلة عظيمة عما يجب عليهم من النظر فيه ، ونقل عن ابن الأنباري أنه قال في كتاب الرد على من خالف الإمام : إنه قرأ بها رجل وقال : إنها أنسب بالشقاق وهو القتال بجد واجتهاد وهذه القراءة افتراء على الله تعالى اه وفيه ما فيه .