{ مَا أغنى عَنْهُمْ } أي أي شيء أو أي غناء أغنى عنهم { مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } أي كونهم ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن ما مصدرية كما هو الأولى أو الذي كانوا يمتعونه من متاع الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها . وأياً ما كان فالاستفهام للنفي والإنكار .
وقيل : ما نافية أي لم يغن عنهم ذلك في دفع العذاب أو تخفيفه ، والأول أولى لكونه أوفق لصورة الاستخبار وأدل على انتفاء الإغناء على أبلغ وجه وآكده وفي ربط النظم الكريم ثلاثة أوجه كما في «الكشاف » ، الأول : أن قوله سبحانه : { أَفَرَأَيْتَ } [ الشعراء : 205 ] الخ متصل بقوله تعالى : { هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } [ الشعراء : 203 ] وقوله جل وعلا : { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } [ الشعراء : 204 ] معترض للتبكيت وإنكار أن يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها ، والمعنى على هذا كما في «الكشف » أنه لما ذكر أنهم لا يؤمنون دون مشاهدة العذاب قال سبحانه : إن هذا العذاب الموعود وإن تأخر أياماً قلائل فهو لاحق بهم لا محالة وهنالك لا ينفعهم ما كانوا فيه من الاغترار المثمر لعدم الإيمان ، وأصل النظم الكريم لا يؤمنون حتى يروا العذاب وكيت وكيت فإن متعناهم سنين ثم جاءهم هذا العذاب الموعود فأي شيء أو فأي غناء يغني عنهم تمتيعهم تلك الأيام القلائل فجىء بفعل الرؤية والاستفهام ليكون في معنى أخبر إفادة لمعنى التعجب والإنكار وأن من حق هذه القصة أن يخبر بها كل أحد حتى يتعجب .
ووسط { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } [ الشعراء : 204 ] للتبكيت والهمزة فيه للإنكار ، وجيء بالفاء دلالة على ترتبه على السابق كأنه لما وصف العذاب قيل : أيستعجل هذا العذاب عاقل . وفي «الإرشاد » اختيار أن قوله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ } [ الشعراء : 105 ] متصل بقوله سبحانه : { هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } [ الشعراء : 203 ] وجعل الفاء لترتيب الاستخبار على ذلك القول وهي متقدمة على الهمزة معنى وتأخيرها عنها صورة لاقتضاء الهمزة الصدارة وإن { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } [ الشعراء : 204 ] معترض للتوبيخ والتبكيت وجعل الفاء فيه للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون الخ ، وصاحب الكشف بعد أن قرر كما ذكرنا قال : إن العطف على مقدر في هذا الوجه لا وجه له ، ولعل المنصف يقول : لكل وجهة .
والثاني : أن قوله تعالى : { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } كلام يوبخون به يوم القيامة عند قولهم فيه { هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } حكى لنا لطفاً { ويستعجلون } عليه في معنى استعجلتم إذ كذلك يقال لهم ذلك اليوم ، وكأن أمر الترتيب أو العطف على مقدر ، وارتباط { اتقى أَفَرَأَيْتَ } الخ بقولهم : { هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } على نحو ما تقدم في الوجه السابق .
والثالث : أن قوله تعالى : { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } متصل بما بعده غير مترتب على ما قبله وذلك أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة . وأمن فقال عز وجل : { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } أشراً وبطراً واستهزاءً واتكالاً على الأمل الطويل ثم قال سبحانه : هب أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم .
وعلى هذا يكون { فبعذابنا } الخ عطفاً على مقدر بلا خلاف نحو أيستهزؤن { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } .
وقوله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ } الخ تعجباً من حالهم مترتباً على الاستهزاء والاستعجال ، والكلام نظير ما تقول لمخاطبك : هل تغتر بكثرة العشائر والأموال فأحسب أنها بلغت فوق ما تؤمل أليس بعده الموت وتركهما على حسرة .
وهذا الوجه أظهر من الوجه الذي قبله ، وأياً ما كان فقوله سبحانه : { بعذابنا } متعلق بيستعجلون قدم عليه للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به عذابه جل جلاله مع ما فيه على ما قيل من رعاية الفواصل . وقرئ { كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } من الإمتاع وفي الآية موعظة عظيمة لمن له قلب . روي عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له : عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ما أغنى عنهم} من العذاب {ما كانوا يمتعون} في الدنيا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 205]
يقول تعالى ذكره: ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم بآياتنا، وتكذيبهم رسولنا، "ما أغْنَى عَنْهُمْ "يقول: أيّ شيء أغنى عنهم التأخير الذي أخّرنا في آجالهم، والمتاع الذي متعناهم به من الحياة، إذ لم يتوبوا من شركهم، هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالاً، وهل نفعهم شيئا، بل ضرّهم بازديادهم من الاَثام، واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 205]
ما يغني تأخير العذاب عنهم وإمهالهم عن وقت، يمنعون من عذاب الله من شيء؟ أي لا ينفعهم ذلك. ويحتمل أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر، واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: {أفرأيت إن متعناهم سنين} الآيات جوابا لاستمهالهم، ويحتمل أن يكون: بعضهم استعجل العذاب، واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 206]
"ثم جاءهم ما كانوا يوعدون" به من العذاب، "ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون" معناه أنه لم يغن عنهم ما كانوا يمتعون، لازديادهم من الآثام، واكتسابهم من الإجرام، أي أي شئ يغني عنهم ما يمتعون به من النعم، لأنه فان كله، والاغناء عن الشيء صرف المكروه عنه بما يكفي عن غيره...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
وقوله: (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) أي: ما دفع عيشهم وتمتعهم بالدنيا من العذاب عنهم.
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئاً، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ما ينفعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 205]
أي: لو أخرناهم وأنظرناهم، وأملينا لهم برهة من الزمان وحينًا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعم..
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
أخبرني {ما} أي أيّ شيء {أغنى عنهم} أي فيما أخذهم من العذاب {ما كانوا} أي كوناً هو في غاية المكنة وطول الزمان {يمتعون} تمتيعاً هو في غاية السهولة عندنا، وصوره بصورة الكائن تنديماً عليه، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئاً لأن عاقبته الهلاك، وزادهم بعداً من الله وعذابه بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} من اللذات والشهوات، أي: أي شيء يغني عنهم، ويفيدهم، وقد مضت وبطلت واضمحلت، وأعقبت تبعاتها، وضوعف لهم العذاب عند طول المدة. القصد أن الحذر، من وقوع العذاب، واستحقاقهم له. وأما تعجيله وتأخيره، فلا أهمية تحته، ولا جدوى عنده.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 206]
{ثم جاءهم} معطوف على جملة الشرط المعترضة، و {ثم} فيه للترتيب والمهلة، أي جاءهم بعد سنين. وفيه رمز إلى أن العذاب جائيهم وحالّ بهم لا محالة.
والمعنى: أعلمتَ أن تمتيعهم بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتدادُه سنين عديدة غير مغن عنهم شيئاً إن جاءهم العذاب بعد ذلك.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن المتعة التي يعقبها عذاب أليم لا تجدي ولا تنفع ولا ترفع، ولقد كانوا يتوهمون أن ما هم فيه من تمتع يكفيهم، ولكن {مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
فهل يجديهم هذا الإمهال نفعاً، وهل يدفع عنهم ضراً؟ وماذا يجديهم أمام إصرارهم على الاستمرار في الكفر إلا زيادةً في المسؤولية وخطورةً في النتائج السلبية على مستوى قضية المصير؟ {مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ} لأن ذلك الجو من الشهوات واللذات واللهو واللعب سيزول ويتبخّر أمام رياح الفناء وستبقى تبعاته وسيّئاته.