{ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى والحث على الطاعة والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترهيب عن الركون إليها والاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية والترغيب فيما عند الله تعالى ونشر محاسن رسوله صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر معجزاته ليتغلغل حبه في سويداء قلوب السامعين وتزداد رغباتهم في اتباعه ونشر مدائح آله وأصحابه وصلحاء أمته لنحو ذلك ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداء ولا زيادة كما يشير إليه قراءة بعضهم { وانتصروا بِمِثْلِ مَا ظَلَمُواْ } ، وقيل : المراد بالمستثنين شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة المشركين ، واستدل لذلك بما أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عن قتادة إن هذه الآية نزلت في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم كعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة . وحسان بن ثابت . وعن السدي نحوه ، وبما أخرج جماعة عن أبي حسن سالم البراد أنه قال : لما نزلت { والشعراء } [ الشعراء : 224 ] الآية جاء عبد الله بن رواحة . وحسان بن ثابت . وكعب بن مالك وهم يبكون فقالوا : يا رسول الله لقد أزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء هلكنا فأنزل الله تعالى { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ } الخ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم .
وأنت تعلم أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وأخرج ابن مردويه : وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ قوله تعالى : { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ } إلى آخر الصفات فقال : هم أبو بكر . وعمر وعلي . وعبد الله بن رواحة ولعله من باب الاقتصار على بعض ما يدل عليه اللفظ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يشعر بالعموم ، هذا واستدل بالآية على ذم الشعر والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم انتصاراً كذا قيل ، واعلم أن الشعر باب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، وفي الحديث : «إن من الشعر لحكمة » وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأجاز عليه وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رضي الله تعالى عنه : -اهجهم يعني المشركين فإن روح القدس سيعينك وفي رواية : «اهجهم وجبريل معك » وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة أن جبريل عليه السلام أعان حساناً على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً ، وأخرج أحمد .
والبخاري في التاريخ . وأبو يعلى . وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه ؟ فقال : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل ، وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر أين حسان بن ثابت فقال : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : خذ فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهذا أشد عليهم من وقع النبل ، ويروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت منبراً في المسجد ينشد عليه الشعر . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله تعالى أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار ، وقد أنشد كل من الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين الشعر ، وكذا كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فمن شعر أبي بكر رضي الله تعالى عنه :
أمن طيف سلمى بالبطائح الدمائث *** أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤى فرقة لا يصدها *** عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا *** عليه وقالوا لست فينا بماكث
ولما دعوناهم إلى الحق أدبروا *** وهروا هرير المجحرات اللواهث
فكم قد مثلنا فيهم بقرابة *** وترك التقي شيء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم *** فما طيبات الحل مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم *** فليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالب *** لنا العز منها في الفروع الأثائث
فأولى برب الراقصات عشية *** حراجيج تخدي في السريح الرثائث
كأدم ظباء حول مكة عكف *** يردن حياض البئر ذات النبائث
لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهم *** ولست إذا ءاليت يوماً بحانث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق *** تحرم أطهار النساء الطوامث
تغادر قتلى يعصب الطير حولهم *** ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث
فابلغ بني سهم لديك رسالة *** وكل كفور يبتغي الشر باحث
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم *** فإني من أعراضكم غير شاعث
ومن شعر عمر رضي الله تعالى عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة :
توعدني كعب ثلاثاً يعدها *** ولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بي خوف الموت إني لميت *** ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب
هون عليك فإن الأمور *** بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها *** ولا قاصر عنك مأمورها
ومنه وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه ، ويروى لورقة بن نوفل من أبيات :
لا شي مما ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه *** والخلد حاوله عاد فما خلدوا
ولا سلميان إذ تجري الرياح له *** والإنس والجن فيما بينها ترد
حوض هنا لك مورود بلا كذب *** لا بد من ورده يوماً كما وردوا
ومن شعر عثمان رضي الله تعالى عنه :
غنى النفس يغني النفس حتى يكفها *** وإن عضها حتى يضر بها الفقر
ومن شعر علي كرم الله تعالى وجهه وكان مجوداً حتى قيل : إنه أشعر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين :
ولما رأيت الخيل تزحم بالقنا *** نواصيها حمر النحور دوامي
وأعرض نقع في السماء كأنه *** عجاجة دجن ملبس بقتام
ونادى ابن هند في الكلاع وحمير *** وكندة في لخم وحي جذام
تيممت همدان الذين هم هم *** إذا ناب دهر جنتي وسهامي فجاوبني من خيل همدان عصبة
فوارس من همدان غير لئام فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها *** وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بواباً على باب جنة *** لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد جمعوا ما نسب إليه رضي الله تعالى عنه من الشعر في ديوان كبير ولا يصحح منه إلا اليسير ، ومن شعر ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما وقد خرج على أصحابه مختضباً :
نسود أعلاها وتأبى أصولها *** فليت الذي يسود منها هو الأصل
ومن شعر الحسين رضي الله تعالى عنه وقد عاتبه أخوه الحسن رضي الله تعالى عنه في امرأته :
لعمرك إنني لأحب دارا *** تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي *** وليس للأئمي عند عتاب
ومن شعر فاطمة رضي الله تعالى عنها قالته يوم وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام :
ماذا على من شم تربة أحمد *** أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على مصائب لو أنها *** صبت على الأيام صرن لياليا
ومن شعر العباس رضي الله تعالى عنه يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي *** بوادي حنين والأسنة تشرع
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قرى *** وهام تدهدي والسواعد تقطع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرة *** بزوراء تعطي باليدين وتمنع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة *** وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
ومن شعر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما :
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى *** وأعمل فكر الليل والليل عاجر
وباكرني في حاجة لم يجد لها *** سواي ولا من نكبة الدهر ناصر
فرجت بمالي همه من مقامه *** وزايله هم طروق مسامر
وكان له فضل علي بظنه *** بي الخير أني للذي ظن شاكر
وهلم جرا إلى حيث شئت ، وليس من بني عبد المطلب كما قيل رجالاً ولا نساء من لم يقل الشعر حاشا النبي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك أبلغ في أمره عليه الصلاة والسلام ، ولأجلة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء المسلمين شعر كثير أيضاً ، ومن ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ومتعب العيس مرتاح إلى بلد *** والموت يطلبه في ذلك البلد
وضاحك والمنايا فوق هامته *** لو كان يعلم غيباً مات من كمد
من كان لم يؤت علماً في بقاء غد *** فما يفكر في رزق لبعد غد
والاستقصاء في هذا الباب يحتاج إلى إفراده بكتاب وفيما ذكر كفاية ، وقد مدحه أيضاً غير واحد من الأجلة فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه الشعر ميزان العقول .
وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول : إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإن الشعر ديوان العرب ، وما أخرجه أحمد . وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً " حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش ، وروى نحوه عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيمتلئ جوف أحدكم » الحديث فقالت : رحم الله تعالى أبا هريرة إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً " من الشعر الذي هجيبت به يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك المرشدي في فتاواه نقلاً عن كتاب بستان الزاهدين ، ولا يخفى أنه يبعد الحمل المذكور التعبير بيمتلئ فإن الكثير والقليل مما فيه فحش أو هجو لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم سواء ، وما أحسن قول الماوردي : الشعر في كلام العرب مستحب ومباح ومحظور فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة وحث على مكارم الأخلاق والمباح ما سلم من فحش أو كذب والمحظور نوعان كذب وفحش وهما جرح في قائله وأما منشده فإن حكاه اضطراراً لم يكن جرحاً أو اختياراً جرح ، وتبعه على ذلك الروياني وجعل الروياني ما فيه الهجو لمسلم سواء كان بصدق أو كذب من المحظور أيضاً ، ووافقه جماعة إلا أن إثم الصادق أخف من إثم الكاذب كما قال القمولي .
وإثم الحاكي على ما قال الرافعي دون إثم المنشد ، وقال الأذرعي : ليس هذا على إطلاقه بل إذا استوى الحاكي والمنشد أما إذا أنشده ولم يذعه فأذاعه الحاكي فاثمه أشد بلا شك ، واحترز بقيد المسلم عما فيه الهجو لكافر فإن فيه تفصيلاً .
وفصل بعضهم ما فيه الهحجو لمسلم أيضاً وذلك أن كثيراً من العلماء أطلقوا جواز هجو الكافر استلالاً بأمر صلى الله عليه وسلم حساناً ونحوه بهجو المشركين ، وقال بعضهم : محل ذلك الكفار على العموم وكذا المعين الحربي ميتاً كان أو حياً حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به ، وأما الذمي أو المعاهد أو الحربي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما قاله الأذرعي . وابن العماد . وغيرهما ؛ وقالوا : إن هجو حسان وإن كان في معين لكنه في حربي ، وعلى التنزل فهو ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون عن القرب فضلاً عن المبحات ، وألحق الغزالي وتبعه جمع المبتدع بالحربي فيجوز هجوه ببدعته لكن لمقصد شرعي كالتحذير من حجهته ، وجوز ابن العماد هجو المرتد دون تارك الصلاة والزاني المحصن ، وما قاله في المرتد واضح لأنه كالحربي بل أقبح وفي الأخيرين محله حيث لم يتجاهر أما المتجاهر بفسقه فيجوز هجوه بمال تجاهر به فقط لجواز غيبته بذلك فقط .
وقال البلقيني : الأرجح تحريم هجو المتجاهر المذكور لا لقصد زجره لأنه قد يتوب وتبقى وصمة الشعر السائر عليه ولا كذلك الكافر إذا أسلم . ورد بأن مجاهرته بالمعصية وعدم مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيراه غير محترم ولا مراعى فهو المهدر لحرمة نفسه بالنسبة لما تجاهر به فلم يبال ببقاء تلك الوصمة عليه .
نعم لو قيل بحرمة إنشاده بعد التوبة إذا كان يتأذى به هو أو قريبة المسلم أو الذمي أو بعد موته إذا كان يتأذى به من ذكر لم يبعد ، وذكر جماعة أن من جملة المحظور أيضاً ما فيه تشبيب بغلام ولو غير معين مع ذكر أنه يعشقه أو بامرأة أجنبية معينة وإن لم يذكرها بفحش أو بامرأة مبهمة مع ذكرها بالفحش ولم يفرقوا بين إنشاء ذلك وإنشاده ، واعتبر بعضهم التعيين في الغلام كالمرأة فلا يحرم التشبيب بمبهم .
قال الأذرعي وهو الأقرب والأول ضعيف جداً ، وقال أيضاً : يجب القطع بأنه إذا شبب بحليلته ولم يذكر سوى المحبة والشوق أو ذكر شيئاً من التشبيهات الظاهرة أنه لا يضر وكذا إذا ذكر امرأة مجهولة ولم يذكر سوءاً .
وفي الأحياء في حرمة التشبيب بنحو وصف الخدود والإصداغ وسائر أوصاف النساء نظر ، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت وغير صوت ، وعلى المستمع أن ينزله على امرأة معينة فإن نزله على حليلته جاز أو على غيرها فهو العاصي بالتنزيل ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع ، وذكر بعض الفضلاء أن ما يحرم إنشاؤه قد لا تحرم روايته فإن المغازي روى فيها قصائد الكفار الذين هاجوا فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكر ذلك أحد ، وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم إذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يومي بدر . وأحد وغيرهما إلا قصيدة ابن أبي الصلت الحائية انتهى ، قال الأذرعي : ولا شك في هذا إذا لم يكن فيه فحش ولا أذى لحي ولا ميت من المسلمين ولم تدع حاجة إليه ، وقد ذم العلماء جريراً . والفرزدق في تهاجيهما ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان ، ويجب حمل كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادة أهل اللعب والبطالة وعلى إنشاد شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراماً إذ ليس فيه إلا أذى أو وقيعة في الأحياء أو إساءة الأحياء في أمواتهم أو ذكر مساوي الأموات وغير ذلك وليس مما يحتج به في اللغة ولا غيرها فلم يبق إلا اللعب بالأعراض ، وزاد بعض حرمة شعر فيه تعريض وجعل التعريض في الهجو كالتصريح وله وجه وجيه .
وقال آخر : إن ما فيه فخر مذموم وقليله ككثيره ، والحق إن ذلك أن تضمن غرضاً شرعياً فلا بأس به ، وللسلف شعر كثير من ذلك وقد تقدم لك بعض منه ، وحمل الأكثرون الخبر السابق على ما إذا غلب عليه الشعر وملك نفسه حتى اشتغل به عن القرآن والفقه ونحوهما ولذلك ذكر الامتلاء ، والحاصل أن المذموم امتلاء القلب من الشعر بحيث لا يتسع لغيره ولا يلتفت إليه . وليس في الخبر ذم إنشائه ولا إنشاده لحاجة شرعية وإلا لوقع التعارض بينه وبين الأخبار الصحيحة الدالة على حل ذلك وهي أكثر من أن تحصى وأبعد من أن تقبل التأويل كما لا يخفى .
وما روى عن الإمام الشافعي من قوله :
ولولا الشعر بالعلماء يزري *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
محمول على نحو ما حمل الأكثرون الخبر عليه وإلا فما قاله شعر ، وفي معناه قول شيخنا علاء الدين علي أفندي تغمده الله تعالى برحمته مخاطباً خاتمة الوزراء في الزوراء داود باشا من أبيات .
ولو لداعيه يرضي الشعر منقبة *** لقمت ما بين منشيه ومنشده
هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام يتعلق بهذا البحث أيضاً عند الكلام في قوله تعالى : { وَمَا علمناه الشعر وَمَا يَنبَغِى له } [ يس : 69 ] له ومن اللطائف أن سليمان بن عبد الملك سمع قول الفرزدق :
فبتن بجانبي مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام
فقال له قد وجب عليك الحد فقال يا أمير المؤمنين : قد درأ الله تعالى عني الحد بقوله سبحانه : { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } [ الشعراء : 226 ] { وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } تهديد شديد ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقه وفي { يَرَى الذين ظَلَمُواْ } من الإطلاق والتعميم ، وقد كان السلف الصالح يتواعظون بها ، وختم بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وصيته حين عهد لعمر رضي الله تعالى عنه وذلك أنه أمر عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب في مرض موته حينئذ { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر ويصدق فيها الكاذب إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وأن يجر ويبدل فلا علم فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب { وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَيَ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } ، وتفسير الظلم بالكفر وإن كان شائعاً في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أن الأنسب على ما قيل هنا الإطلاق لمكان قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } وقال الطيبي : سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقى منهم من الشدائد كما مر من أول السورة يؤيد تفير الظلم بالكفر .
وروى محيي السنة الذين ظلموا أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ ابن عباس . وابن أرقم عن الحسن { أَيُّ } بالفاء والتاء والتاء الفوقية من الانفلات بعنى النجاة ، والمعنى إن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات { مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ } هنا معلقة وأي استفهام مضاف إلى { مُنقَلَبٍ } والناصب له { يَنقَلِبُونَ } ، والجملة سادة مسد المفعولين كذا في «البحر » .
/ وقال أبو البقاء : أي منقلب مصدر نعت لمصدر محذوف والعامل { يَنقَلِبُونَ } أي ينقلبون انقلاباً أي منقلب ولا يعمل فيه يعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله : وتعقب بأنه تخليط لأن أياً إذا وصف بها لم تكن استفهاماً . وقد صرحوا بأن الموصوف بها قسيم الاستفهامية ، وتحقيق انقسام أي يطلب من كتب النحو والله تعالى أعلم .
ولما وصف الشعراء بما وصفهم به ، استثنى منهم من آمن بالله ورسوله ، وعمل صالحا ، وأكثر من ذكر الله ، وانتصر من أعدائه المشركين من بعد ما ظلموهم .
فصار شعرهم من أعمالهم الصالحة ، وآثار إيمانهم ، لاشتماله على مدح أهل الإيمان ، والانتصار من أهل الشرك والكفر ، والذب عن دين الله ، وتبيين العلوم النافعة ، والحث على الأخلاق الفاضلة فقال : { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ينقلبون إلى موقف وحساب ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، إلا أحصاها ، ولا حقا إلا استوفاه . والحمد لله رب العالمين .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم استثنى عز وجل شعراء المسلمين، فقال: {إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا} على المشركين {من بعده ما ظلموا} يقول: انتصر شعراء المسلمين من شعراء المشركين، فقال: {وسيعلم الذين ظلموا} يعني: أشركوا {أي منقلب ينقلبون}، يقول: ينقلبون في الآخرة إلى الخسران.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"إلاّ الّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ" وهذا استثناء من قوله "وَالشّعَرَاءُ يَتّبِعُهُمُ الْغاوُونَ". وذُكر أن هذا الاستثناء نزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثم هو لكلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها... وقوله: "وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيرا "اختلف أهل التأويل في حال الذكر الذي وصف الله به هؤلاء المستثنين من الشعراء؛ فقال بعضهم: هي حال منطقهم ومحاورتهم الناس، قالوا: معنى الكلام: وذكروا الله كثيرا في كلامهم...
وقال آخرون: بل ذلك في شعرهم... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الذين استثناهم من شعراء المؤمنين بذكر الله كثيرا، ولم يخص ذكرهم الله على حال دون حال في كتابه، ولا على لسان رسوله، فصفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا في كلّ أحوالهم.
وقوله: "وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا" يقول: وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم، وإجابتهم عما هجوهم به... عن ابن عباس "وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا" قال: يردّون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين...
وقوله: "وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا" يقول تعالى ذكره: وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله من أهل مكة "أيّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" يقول: أيّ مرجع يرجعون إليه، وأيّ معاد يعودون إليه بعد مماتهم، فإنهم يصيرون إلى نار لا يُطفأ سعيرها، ولا يَسْكُن لهبها.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
فاستثنى شعراء المسلمين الذين قالوا الشعر، وأنشدوه، في انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم لا يتبعهم الغاوون. ويحتمل أن يكون الاستثناء من قوله: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم لا يهيمون في كل واد، ويقولون ما يفعلون، و لا يقولون ما لا يفعلون. بل يذكرون الله كثيرا وينصرون رسوله وأنفسهم من بعد ما ظلموا...
. ثم أوعدهم، وقال: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. ويحتمل في الآخرة في منقلب الظلمة، وهي النار، أي يعلمون علم عيان يومئذ، وإن لم يعلموا ذلك في الدنيا علم الاستدلال لما تركوا النظر فيه، أو يعلمون ذلك علم عيان في الآخرة، وإن علموا في الدنيا علم استدلال، لكنهم تعاندوا، وكابروا، فلم يؤمنوا، والله أعلم بالصواب.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعراً قالوه في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم...
ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله: {وَسَيَعْلَمُ} وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله {الذين ظَلَمُواْ} وإطلاقه. وقوله: {أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} وإبهامه..
ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة: أحدها: الإيمان وهو قوله: {إلا الذين آمنوا}، وثانيها: العمل الصالح وهو قوله: {وعملوا الصالحات}، وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق، وهو قوله: {وذكروا الله كثيرا}، ورابعها: أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وهو قوله: {وانتصروا من بعد ما ظلموا}...
فأما قوله تعالى: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمدا صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن، وتارة بالشاعر، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولا ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانيا ختم السورة بهذا التهديد العظيم، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور: المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
قال تعالى: {إلا الذين آمنوا} أي بالله ورسوله {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} أي التي شرعها الله ورسوله لهم {وذكروا الله} مستحضرين ما له من الكمال {كثيراً} لم يشغلهم الشعر عن الذكر، بل بنوا شعرهم على أمر الدين والانتصار للشرع، فصار لذلك كله ذكر الله.. {وانتصروا} أي كلفوا أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم {من بعد ما ظلموا} أي وقع ظلم الظالم لهم بهجو ونحوه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا} وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ... من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم. وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام...وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعراً ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه. وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: {وانتصروا من بعد ما ظلموا}، وإلى الحالة المأذونة قوله: {وعملوا الصالحات}... {أي منقلب ينقلبون} إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
ظاهر اللفظ أن الاستثناء من الشعراء، ويكون الاستثناء متصلا...ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا، ومستثنى من الضالين، ويكون معنى (إلا) لكن، والمعنى: والشعراء يتبعهم الغاوون إلى آخره، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا بأن امتلأت قلوبهم بذكره، وانتصروا أي انتصفوا من المشركين من بعد ظلموا فإنهم يتبعون الحق ويتبعهم أهل الحق...
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. السين هنا لتأكيد الفعل في المستقبل، والعلم الذي سيعلمونه هو علم المعاينة، إذ سيرون العذاب، وسيحسونه نازلا بهم، إذ يكونون في جهنم، وبئس المهاد، والتعبير بالموصول لبيان أن الصلة هي سبب ما ينزل بهم من عذاب شديد، لا يعرفونه الآن، وسيعرفونه من بعد، وقد ظلموا أولا بالشرك، وثانيا بتكذيب الرسل، وثالثا بإنكارهم للقرآن، ورميهم له بأنه تنزل به الشياطين، وأنه كأقوال الكهان، وغير ذلك مما ظلمت به العقيدة، والحقائق، وقد أضافوا إلى ذلك ظلم العباد، والصد عن سبيل الله تعالى، والمنقلب هو انقلابهم من الطغيان إلى المهانة، ومن رغد العيش إلى شدته، وقد أبهم هذا المنقلب، تأكيدا للتهديد، والإنذار الشديد.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وهكذا فقد بيّن القرآن أربع صفات للشعراء الهادفين، وهي الإيمان، والعمل الصالح، وذكر الله كثيراً، والانتصار للحق من بعدما ظلموا، مستعينين بشعرهم في الذب عنه... وحيث أن معظم آيات هذه السورة هو للتسلية عن قلب النّبي، والتسرية عنه،...
فإن السورة تُختتم بجملة ذات معنى غزير، وفيها تهديد لأولئك الأعداء الألدّاء، إذ تقول: (وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون). وبالرغم من أن بعض المفسّرين أرادوا أن يحصروا هذا الانقلاب والعاقبة المرة للظالمين بنار جهنمَّ... إلاّ أنه لا دليل على تقييد ذلك وتحديده بها... بل لعله إشارة إلى هزائمهم المتتابعة والمتلاحقة في المعارك الإسلامية، كمعركة بدر وغيرها، وما أصابهم من ضعف وذلة في دنياهم، فمفهوم هذه الآية عام، بالإضافة إلى ذلك عذابهم وانقلابهم إلى النار في آخر المطاف.