روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } كلام مستأنف ( وارد ) على إرادة القول . والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي قل لهم يا محمد : أأميل إلى زخارف الشياطين أو أعدل عن الطريق المستقيم فأطلب حكماً غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل . وقيل : إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت . وإسناد الابتغاء المنكر لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله سبحانه : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } [ آل عمران : 83 ] مع أنهم الباغون لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم : اجعل بيننا وبينك حكماً ، و ( غير ) مفعول { أَبْتَغِى } و { حُكْمًا } حال منه ، وقيل : تمييز لما في ( غير ) من الإبهام كقولهم : إن لنا إبلاً غيرها ، وقيل : مفعول له ؛ وأولى المفعول همزة الاستفهام دون الفعل لأن الإنكار إنما هو في ابتغاء غير الله تعالى حكماً لا في مطلق الابتغاء فكان أولى بالتقديم وأهم ، وقيل : تقديمه للتخصيص . وحمل على أن المراد تخصيص الإنكار لا إنكار التخصيص ، وقيل : في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه حكماً . وجوز أن يكون { غَيْرِ } حالاً من { حُكْمًا } وحكماً مفعول { أَبْتَغِى } والتقديم لكونه مصب الانكار ، والحَكَم يقال للواحد والجمع كما قال الراغب ، وصرح هو وغيره بأنه أبلغ من الحاكم لا مساو له كما نقل الواحدي عن أهل اللغة ، وعلل بأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرر منه الحكم .

{ وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } جملة حالية مؤكدة للإنكار ، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار تساوي نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم إلى قبول حكمه بإيهام قوة نسبته إليهم وقيل : لأن ذلك أوفق بصدر الآية بناء على أن المراد بها الانكار عليهم وإن عبر بما عبر إظهاراً للنصفة ، ونظير ذلك قوله تعالى : { وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ يس : 22 ] . ومعنى الآية عند بعض المحققين أغيره تعالى أبتغي حكماً والحال أنه هو الذي أنزل إليكم الكتاب وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب .

{ مُفَصَّلاً } أي مبيناً فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام بحيث لم يبق في أمر الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم ، ثم قال : وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله ؛ وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك كما قيل فلا انتهى .

ولا يخفى أن ملاحظة الإعجاز أمر مطلوب على تقدير كون الآية مرتبطة معنى بقوله سبحانه : { وَأَقْسَمُواْ بالله } [ الأنعام : 109 ] الآية ، وبيان ذلك على ما ذكره الإمام أنه سبحانه وتعالى «لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أتتهم آية ليؤمنن بها أجاب عنه جل شأنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم ، ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته عليه الصلاة والسلام قد حصل وكمل فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، ثم نبه على حصول الدليل من هذه الآية بوجهين ، الأول : أنه تعالى أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فيكون ظهور هذا المعجز دليلاً على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فمعنى الآية قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله سبحانه حكماً ؟ فإن كل أحد يقول : إن ذلك غير جائز ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز . الثاني : اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول حق وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى وهذا هو المراد من الآية بعد » انتهى .

ووجه بعضهم مدخلية الإعجاز بأنه لا يتم الإلزام إلا بالعلم بكون المنزل من عند الله تعالى وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغني عن آية أخرى دالة على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام أنه من عند الله تعالى لكن قال : إن في دلالة النظم الكريم على ذلك خفاء إلا أن يقال : الجملة الاسمية الحالية تفيده لما فيها من الدلالة على ثبوته وتقرره في نفسه أو يجعل الكتاب بمعنى المعهود إعجازه ، وذكر أن هذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى لا أبتغي حكماً في شأني وشأن غيري إلا الله سبحانه الذي نزل الكتاب لذلك ، وهو إنما يحكم له صلى الله عليه وسلم بصدق مدعاه بالإعجاز ، فإنهم لما طعنوا في نبوته عليه الصلاة والسلام وأقسموا إن جاءتهم آية آمنوا بين سبحانه أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره أن يوبخهم وينكر عليهم بقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ الله } الخ أي أأزيغ عن الطريق السوي فأخص غيره بالحكم وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحمكم وألزمكم الحجة فكفي به سبحانه حاكماً بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والنبوة وغيرهما الذي أعجزكم عن آخركم ، ويؤول هذا إلى أنه صلى الله عليه وسلم أجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فكبتهم على أحسن وجه وضم إليه علم أهل الكتاب ، وعلى هذا فكونه معجزاً مأخوذ من كونه مغنياً عما عداه في شأنه وشأن غيره على ما أشير إليه ، وهذا له نوع قرب مما ذكره الإمام وما أشار إليه من ارتباط الآية معنى بما تقدم من قوله تعالى :

{ وَأَقْسَمُواْ بالله } [ الأنعام : 109 ] الخ لا يخلو عن حسن إلا أن دعوى خفاء دلالة النظم الكريم على الإعجاز مما لا خفاء في صحتها عندي ، ولم يظهر مما ذكر ما ما يزيل ذلك الخفاء ، وكون سوق الآية دليلاً على ملاحظة ذلك غير بعيد عن المأخذ الذي سمعته فتدبر . ومن الناس من قال : يحتمل أن يراد بالكتاب التوراة أي إنه تعالى حكم بيني وبينكم بما أنزل فيه مفصلاً حيث أخبركم بنبوتي وفصل فيه علاماتي وهو كما ترى ، والحق ما تقدم .

{ والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته تعالى لتحقيق حقية الكتاب الذي نيط بإنزاله أمر الحكمية وتقرير كونه منزلاً من عنده عز وجل ، وليس المراد منه الاستدلال على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم كما يلوح من كلام الإمام ، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، والتعبير عنهما بذلك للإيماء إلى ما بينهما وبين القرآن من المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية والنزول من عنده تعالى مع ما فيه من الايجاز ، والمراد بالموصول إما علماء اليهود والنصارى وإما الفريقان مطلقاً والعلماء داخلون دخولاً أولياً ، والإيتاء على الأول التفهيم بالفعل وعلى الثاني أعم منه ومن التفهيم بالقوة ، وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بأنهم علموا ما علموا من جهة كتابهم ، وقيل : المراد بالموصول مؤمنو أهل الكتاب . وعن عطاء أن المراد بالكتاب القرآن وبالموصول كبراء الصحابة وأهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ولا يخفى أنه أبعد من الثريا . والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم مع الإيذان بأن نزوله من آثار الربوبية . و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمنزل ، والباء للملابسة وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في { مُنَزَّلٌ } أي متلبساً بالحق . وقرأ غالب السبعة { مُنَزَّلٌ } بالتخفيف من الإنزال . والفرق بين أنزل ونزل قد أشرنا إليه فيما مر وأن الأول دفعي والثاني تدريجي وأنه أكثري ، والقراءة بهما تدل على قطع النظر عن الفرق ، وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى السماء الدنيا ثم إنزاله إلى الأرض لأن إنزاله دفعة إلى السماء على ما قيل لا يعلمه أهل الكتاب .

{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي المترددين في أنهم يعلمون ذلك لما لا يشاهد منهم آثار العلم وأحكام المعرفة ، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب أو في أنه منزل من ربك بالحق فليس المراد حقيقة النهي له صلى الله عليه وسلم عن الإمتراء في ذلك بل تهييجه وتحريضه عليه الصلاة والسلام كقوله سبحانه :

{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] ويحتمل أن يكون الخطاب في الحقيقة للأمة على طريق التعريض وإن كان له عليه الصلاة والسلام صورة ، وأن يكون لكل أحد ممن يتصور منه الإمتراء بناء على ما تقرر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يترك لغيره كما في قوله سبحانه : { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون } [ السجدة : 12 ] والفاء على هذه الأوجه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } المعجز الجامع { مُفَصَّلاً } [ الأنعام : 114 ] فيه الحق والباطل بحث لا يبقى معه مقال لقائل فطلب ما سواه مما لا يليق بعاقل ولا يميل إليه إلا جاهل

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

{ 114 ، 115 } { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }

أي : قل يا أيها الرسول { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } أحاكم إليه ، وأتقيد بأوامره ونواهيه . فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم . وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص ، والعيب ، والجور ، وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما ، فهو الله وحده لا شريك له ، الذي له الخلق والأمر .

{ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } أي : موضَّحا فيه الحلال والحرام ، والأحكام الشرعية ، وأصول الدين وفروعه ، الذي لا بيان فوق بيانه ، ولا برهان أجلى من برهانه ، ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا ، لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة .

وأهل الكتب السابقة ، من اليهود والنصارى ، يعترفون بذلك { ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } ولهذا ، تواطأت الإخبارات { فَلَا } تشُكَّنَّ في ذلك ولا { تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (114)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك كفّ عن آلهتنا ونكفّ عن إلهك: إن الله قد حكم عليّ بذكر آلهتكم بما يكون صدّا عن عبادتها، "أفَغَيْرَ اللّهِ أبْتَغي حَكَما "أي قل: فليس لي أن أتعدى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه ولا قائل أصدق منه. "وهُوَ أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصّلاً" يعني: القرآن "مفصلاً"، يعني مبينا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم...

"والّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنّهُ مُنَزّلٌ مِنْ رَبكَ بالحَقّ فَلا تَكُونَنّ مِنَ المُمْتَرِينَ" يقول تعالى ذكره: إن أنكر هؤلاء العادلون بالله الأوثان من قومك توحيدَ الله، وأشركوا معه الأنداد، وجحدوا ما أنزلته إليك، وأنكروا أن يكون حقّا، وكذّبوا به. فالذين "آتيناهم الكتاب" وهو التوراة والإنجيل من بني إسرائيل، "يَعْلَمُونَ أَنّهُ مُنَزّلٌ مِنْ رَبّكَ" يعني: القرآن، وما فيه "بالحَقّ" يقول: فصلاً بين أهل الحقّ والباطل، يدلّ على صدق الصادق في علم الله، وكذب الكاذب المفتري عليه.

"فَلا تَكُونَنّ مِنَ المُمْتَرِينَ" يقول: فلا تكوننّ يا محمد من الشاكّين في حقية الأنباء التي جاءتك من الله في هذا الكتاب وغير ذلك مما تضمنه، لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحقّ...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله: (مُفَصَّلًا) قيل: مُفَصَّلًا بالحجج والبراهين ما يعرف كل عاقل لم يكابر عقله أنه من عند اللَّه نزل.

وقيل: مُفَصَّلًا بالأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، فيقول: كيف أبتغي حكما غير ما أنزل اللَّه، وقد أنزل كتابًا مُفَصَّلًا مبينًا، فيه ما يحل وما يحرم، وما يؤتى وما يتقى، فلا حاجة تقع إلى غير اللَّه...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

... قل لهم يا محمد أفغير اللّه {أَبْتَغِي حَكَماً}: قاضياً بيني وبينكم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" أنزل اليكم الكتاب مفصلا "وإنما مدح الكتاب بأنه مفصل، لأن التفصيل: تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفى أيضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. وإنما فصل القرآن بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل في كل فن...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

قلْ لهم أترون أني -بعد ظهور البيان ووضوح البرهان- أَذَرُ اليقين وأوثر التخمين، وأفارق الحقَّ وأقارن الحظ؟ إن هذا محال من الظن...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً}... أي قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل {وهُوَ الذى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب} المعجز {مُفَصَّلاً} مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء. ثم عضد الدلالة على أنّ القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} [الأنعام: 14] أو {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} في أنّ أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم به. ويجوز أن يكون {فَلاَ تَكُونَنَّ} خطاباً لكل أحد، على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه، فما ينبغي أن يمتري فيه أحد. وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم. ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل، فكان ما يطلبونه طلبا للزيادة، وذلك مما لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا: إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين:

الوجه الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخلق عن معارضته. فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته، فقوله: {أفغير الله أبتغى حكما} يعني قل يا محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز. ثم قل: إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز.

والوجه الثاني: من الأمور الدالة على نبوته؛ اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول حق، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى، وهو المراد من قوله: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

بيّن الله تعالى في السياق الذي قبل هذا أن الذين اقترحوا على رسوله الآيات الكونية وأقسموا بأنهم يؤمنون بها إذا جاءتهم كاذبون في دعواهم وإيمانهم كما ثبت فيما مضت به سنة الله في أمثالهم من أعداء الرسل المعاندين وهم شياطين الإنس والجن الذين يغرون الجاهلين بزخرف أقوالهم فيصرفونهم بها عن الحق ويزينون لهم الباطل فتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ويرضونه لموافقته لأهوائهم فيحملهم على اقتراف السيئات وارتكاب المنكرات. ثم قفى عليه بهاتين الآيتين المبينتين لآية الله الكبرى التي هي أقوى دلالة على رسالة نبيه من جميع ما اقترحوا ومما لم يقترحوا من الآيات الكونية، وهي القرآن الحكيم، وكون منزلها هو الذي يجب الرجوع إليه في الحكم في أمر الرسالة وغيره واتباع حكمه فيها دون شياطين الإنس والجن المبطلين المضلين.

فقال آمرا لرسوله أن يقول لهم: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} الحَكَم (بفتحتين كالجبل} هو من يتحاكم الناس إليه باختيارهم ويرضون بحكمه وينفذونه؛ أأطلب حكَما غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم في هذا الأمر وغيره {وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} أي والحال أنه هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فيه كل ما يصح به الحكم؛ فإنزاله مشتملا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرها على لسان رجل منكم أمي مثلكم هو أكبر دليل وأوضح آية على أنه من عند الله تعالى لا من عنده هو كما قال بأمر الله في آية أخرى {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} (يونس 16) جاوز الأربعين من السنين ولم يصدر عنه فيه شيء من مثله في علومه ولا في إخباره بالغيب ولا في أسلوبه ولا في فصاحته وبلاغته {أفلا تعقلون} (البقرة 44) أن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من العليم الحكيم؟ ثم إن ما فصل فيه من سنن الله تعالى في طباع البشر وأخلاقهم وارتباط أعمالهم بما استقر في أنفسهم من الآراء والأفكار والأخلاق والعادات الموضح بقصص من قبلنا من الأمم برهان عملي على صحة ما حكم به في طلبكم الآية الكونية وزعمكم أنكم تؤمنون بها، وقد تقدم توجيهه في تفسير السياق الأخير في طلبها وفي أمثاله، كما تقدم بيان كون القرآن أدل على صحة الرسالة وصدق الرسول من جميع الآيات التي جاء بها الرسل عليهم السلام، وهو في مواضع من التفسير والمنار، ومن أقربها ما جاء في تفسير الآية 37 من هذه السورة (ج 7).

{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} أي والذين أعطيناهم علم الكتب المنزلة من قبله كعلماء اليهود والنصارى دون المقلدين منهم يعلمون أن هذا الكتاب منزل عليك من ربك بالحق. وبيان هذا من وجهين أحدهما: أن العالم بالشيء يميز بين ما كان منه وما لم يكن، فمن ألف كتابا في علم الطب كان الأطباء أعلم الناس بكونه طبيبا، ومن ألف كتابا في النحو كان النحاة أعلم الناس بكونه نحويا، كذلك المؤمنون بالوحي العالمون بما أنزل الله على أنبيائهم منه يعلمون أن هذا القرآن من جنس ذلك الوحي وفي أعلى مراتب الكمال منه وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله فكيف يستطيعه رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب قبله شيئا {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت 48} ولذلك قال تعالى في آية أخرى {أو لم يكن لهم آية ان يعلمه علماء بني إسرائيل} (الشعراء 197}

ثانيهما: أن في الكتب الأخيرة كالتوراة والإنجيل بشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تخفى على علمائهما في زمنه صلى الله عليه وسلم وقد بينا بعضها وسيأتي تفصيلها في الجزء التاسع وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} (البقرة 146} وقد اعترف المنصفون من أولئك العلماء بذلك وآمنوا وكتم بعضهم الحق وأنكروه بغيا وحسدا كما بيناه في محله.

والخطاب في قوله تعالى: {فلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، على حد قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة، وقيل: لكل مخاطب أي فلا تكونن من الشاكين في ذلك. على أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشك في كون أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق مقرونا بإخباره به لا يقتضي جواز شكه فيه بعد هذا الإخبار فإن كان يشك فيه قبله فلا ضرر.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إنه سؤال على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستنكار. استنكار أن يبتغي حكما غير الله في شأن من الشؤون على الاطلاق. وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه. ونفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه طالباً حكمه في أمر الحياة كله: أفغير الله أبتغي حكماً؟.. ثم.. تفصيل لهذا الإنكار، وللملابسات التي تجعل تحكيم غير الله شيئاً مستنكراً غريباً.. إن الله لم يترك شيئاً غامضاً؛ ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر، يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة: (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً).. لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولتتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته. ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلاً، محتوياً على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة. كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة.. وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة.. هذا ما يقرره الله -سبحانه- عن كتابه. فمن شاء أن يقول: إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل.. ولكن ليقل معه.. إنه -والعياذ بالله- كافر بهذا الدين، مكذب بقول رب العالمين! ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير الله حكماً في شأن من الشؤون أمراً مستنكراً غريباً.. إن الذين أوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند الله، وهم أعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق).. ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة، يخاطب الله بها المشركين.. سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا -كما وقع من بعضهم ممّن شرح الله صدره للإسلام- أو كتموها وجحدوها -كما وقع من بعضهم فالأمر في الحالين واحد؛ وهو إخبار الله سبحانه- وخبره هو الصدق -أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق.. فالحق محتواه؛ كما أن الحق متلبس بتنزيله من الله.. وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من الله بالحق. وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به، ومن هذا الحق الذي يحتويه. وما يزالون- من أجل علمهم بهذا كله -يحاربون هذا الدين، ويحاربون هذا الكتاب، حرباً لا تهدأ.. وأشد هذه الحرب وأنكاها، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب؛ إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر. وجعل غير الله حكماً، حتى لا تقوم لكتاب الله قائمة، ولا يصبح لدين الله وجود. وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها لله وحده؛ يوم كانت تحكمها شريعة الله التي في كتابه؛ ولا تشاركها شريعة أخرى، ولا يوجد إلى جوار كتاب الله كتب أخرى، تستمد منها أوضاع المجتمع، وأصول التشريعات، ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها كما يستشهد المسلم بكتاب الله وآياته! وأهل الكتاب- من صليبيين وصهيونيين -من وراء هذا كله؛ ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة! وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله الله مفصلاً؛ وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق، يلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراءه من المؤمنين به؛ يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين؛ وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب: (فلا تكونن من الممترين).. وما شك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا امترى. ولقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم عندما أنزل الله عليه: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين).. قال:"لا أشك، ولا أسأل". ولكن هذا التوجيه وأمثاله؛ وهذا التثبيت على الحق ونظائره؛ تدل على ضخامة ما كان يلقاه صلى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود؛ ورحمة الله- سبحانه -به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت...

.