«ثم إنه تعالى على ما ذكر الإمام لما أجاب عن سبهات الكفار وبين بالدليل صحة النبوة أرشد إلى أنه بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال فقال سبحانه :
{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } وقال شيخ الإسلام : إنه لما تحقق اختصاصه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجب ذلك من إنزال الكتاب ( الكامل ) الفاصل بين الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدله في أحكامه وامتناع وجود من يبدل شيئاً منها واستبداده سبحانه بالإحاطة التامة بجميع الموسوعات والمعلومات عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائص التي هي الضلال والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله تعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيراً عن الركون إليهم والعمل بآرائهم فقال سبحانه ما قال . ويحتمل أن يكون هذا من باب الإرشاد إلى اتباع القرآن والتمسك به بعد بيان كماله على أكمل وجه خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته .
وقيل : خوطب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره . والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار وقيل : ما يعمهم وغيرهم من الجهال واتباع الهوى . وقيل : أهل مكة والأرض أرضها وأكثر أهلها كانوا حينئذ كفاراً . ومن الناس من زعم أن هذا نهى في المعنى عن متابعة غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هم والكرام قليل أقل الناس عدداً . وقد قال سبحانه : { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وهو كما ترى . ومثله احتمال أنه نهى عن متابعة غير الله سبحانه لأنه لو أطيع أكثر من في الأرض لأضلوا فضلاً عن إطاعة قليل أو واحد منهم . والمعنى إن تطع أحداً من الكفار بمخالفة ما شرع لك وأودعه كلماته المنزلة من عنده إليك يضلوك عن الحق أو إن تطع الكفار بأن جعلت منهم حكما يضلوك عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده .
{ إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال { إِلاَّ الظن } وإن الظن فيما يتعلق بالله تعالى لا يغني من الحق شيئاً ولا يكفي هناك إلا العلم وأنى لهم به ، وهذا بخلاف سائر الأحكام وأسبابها مثلاً فإنه لا يشترط فيها العلم وإلا لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية ، «والفرق بينهما على ما قاله العز بن عبد السلام في «قواعده الكبرى » أن الظان مجوز لخلاف مظنونه فإذا ظن صفة من صفات الإله عز شأنه فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز ( تجويز ) النقص عليه سبحانه ( لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون ) بخلاف الأحكام فإنه لو ظن الحلال حراماً أو الحرام حلالاً لم يكن في ذلك تجويز نقص على الرب جل شأنه لأنه سبحانه لو أحل الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصاً عليه عز وجل فدار تجويزه بين أمرين كل ( واحد ) منهما كمال بخلاف الصفات » .
وقال غير واحد : المراد ما يتبعون إلا ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق وجهالاتهم وآراءهم الباطلة ، ويراد من الظن ما يقابل العلم أي الجهل فليس في الآية دليل على عدم جواز العمل بالظن مطلقاً فلا متمسك لنفاة القياس بها ، والإمام بعد أن قرر وجه استدلالهم قال : «والجواب لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل ( ظن ) الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إليها فلا يسمى ظناً » وهو كما ترى .
{ وَإِنْ هُمْ } أي وما هم { إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون . وأصل الخرص القول بالظن وقول من لا يستيقن ويتحقق كما قال الأزهري ، ومنه خرص النخل خرصاً بفتح الخاء وهي خرص بالكسر أي مخروصة ، والمراد أن شأن هؤلاء الكذب وهم مستمرون على تجدده منهم مرة بعد مرة مع ما هم عليه من اتباع الظن في شأن خالقهم عز شأنه وقال الإمام : «المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كاذبون في ادعاء القطع » ؛ ولا يخفى بعد تقييد الكذب بادعاء القطع . وقال غير واحد : المراد أنهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون إليه جل شأنه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه سبحانه وتحليل الميتة و ( تحريم ) البحائر ونظير ذلك . ولعل ما ذهبنا إليه أولى وأبلغ في الذم ، ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار يتبعون في أمور دينهم ظن أسلافهم وأن شأنهم أنفسهم الظن أيضاً ، وحاصل ذلك ذمهم بفسادهم وفساد أصولهم إلا أن ذلك بعيد جداً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض } أي من الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا وعالم النفس والطبيعة { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } لأنهم لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى { إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات { إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [ الأنعام : 116 ] بقياس الغائب على الشاهد
{ 116 ، 117 } { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }
يقول تعالى ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، محذرا عن طاعة أكثر الناس : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم ، وعلومهم . فأديانهم فاسدة ، وأعمالهم تبع لأهوائهم ، وعلومهم ليس فيها تحقيق ، ولا إيصال لسواء الطريق .
بل غايتهم أنهم يتبعون الظن ، الذي لا يغني من الحق شيئا ، ويتخرصون في القول على الله ما لا يعلمون ، ومن كان بهذه المثابة ، فحرى أن يحذِّر الله منه عبادَه ، ويصف لهم أحوالهم ؛ لأن هذا –وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم- فإن أمته أسوة له في سائر الأحكام ، التي ليست من خصائصه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإن تطع} يا محمد {أكثر من في الأرض}، يعني أهل مكة حين دعوه إلى ملة آبائه، {يضلوك عن سبيل الله}، يعني يستنزلوك عن دين الإسلام، {إن يتبعون إلا الظن وإن هم}، يعني وما هم {إلا يخرصون} الكذب...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تطع هؤلاء العادلين بالله الأنداد يا محمد فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم، وأهلّوا به لغير ربهم، وأشكالهَم من أهل الزيغ والضلال، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله ومحجة الحقّ والصواب فيصدّوك عن ذلك.
وإنما قال الله لنبيه:"وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْض" من بني آدم، لأنهم كانوا حينئذ كفارا ضلالاً، فقال له جلّ ثناؤه: لا تطعهم فيما دعوك إليه، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم وكنت مثلهم لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطأوه.
ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الذين نهى نبيه عن طاعتهم فيما دعوه إليه في أنفسهم، فقال: "إن يَتّبِعُونَ إلاّ الظّنّ "فأخبر جلّ ثناؤه أنهم من أمرهم على ظنّ عند أنفسهم، وحسبان على صحة عزم عليه وإن كان خطأ في الحقيقة.
{وَإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ} يقول: ما هم إلا متخرّصون يظنون ويوقعون حزرا لا يقين علم، يقال منه: خَرَصَ يَخْرُصُ خَرْصا وخِرْصا: أي كذب، وتخرّص بظنّ وتخرّص بكذب...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أهلُ الله قليلون عدداً وإن كانوا كثيرين وزناً وخَطَراً، وأمَّا الأعداء ففيهم كثرة. فإنْ لاحظْتَهُم -يا محمد- فَتَنُوكَ، وإنْ صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوكَ...
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
{إن يتبعون إلا الظن}، يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن وهوىً، لم يأخذوه عن بصيرة...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... فامض يا محمد لما أمرت به، وأنفذ لرسالتك، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك. وذكر {أكثر} لأن أهل الأرض حينئذ كان أكثرهم كافرين ولم يكن المؤمنون إلا قلة...
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقا بالضلال. واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة: أولها: المباحث المتعلقة بالإلهيات، فإن الحق فيها واحد، وأما الباطل ففيه كثرة، ومنها القول بالشرك إما كما تقوله الزنادقة وهو الذي أخبر الله عنه في قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} وإما كما يقوله عبدة الكواكب. وإما كما يقوله عبدة الأصنام.
وثانيها: المباحث المتعلقة بالنبوات؛ إما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقا أو كما يقوله من ينكر النشر، أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد. وثالثها: المباحث المتعلقة بالأحكام، وهي كثيرة، فإن الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة، فقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض} فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق، وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله، أي عن الطريق والمنهج الصدق.
ثم قال: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في ادعاء القطع وكثير من المفسرين يقولون: المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا إلى تعليل أصلا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإلى جانب تقرير أن "الحق "هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله الله، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه؛ واتباعه لا ينتهي إلا الى الضلال. وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن؛ ويحذر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم؛ مهما بلغت كثرتهم؛ فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون:
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون)..
ولقد كان أكثر من في الأرض -كما هو الحال اليوم بالضبط- من أهل الجاهلية.. لم يكونوا يجعلون الله هو الحكم في أمرهم كله، ولم يكونوا يجعلون شريعة الله التي في كتابه هي قانونهم كله. ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى الله وتوجيهه.. ومن ثم كانوا -كما هو الحال اليوم- في ضلالة الجاهلية؛ لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه؛ ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا الى الضلال.. كانوا -كما هم اليوم- يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس.. والظن والحدس لا ينتهيان إلا الى الضلال.. وكذلك حذر الله رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل الله.. هكذا على وجه الإجمال. وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجئ في السياق..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أُعقِب ذكرُ عناد المشركين، وعداوتِهم للرسول صلى الله عليه وسلم وولايتهم للشّياطين، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجنّ والإنس، واقترافهم السيّئات طاعة لأوليائهم، وما طَمْأن به قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم من أنّه لقي سنّة الأنبياء قبلَه من آثار عداوة شياطين الإنس والجنّ، بذكر ما يهون على الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين وعزّتهم، ومن قلّة المسلمين وضعفهم، مع تحذيرهم من الثّقة بقولهم، والإرشاد إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم، وعدم الإصغاء إلى رأيهم، لأنَّهم يُضِلّون عن سبيل الله، وأمرِهم بأن يلزموا ما يرشدهم الله إليه. فجملة: {وإن تطع} متّصلة بجملة: {وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوّا شياطين الإنس والجنّ} [الأنعام: 112] وبجملة: {أفغير الله أبتغي حكماً} [الأنعام: 114] وما بعدها إلى: {وهو السميع العليم} [الأنعام: 115].
والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} [الزمر: 65].
وجيء مع فعل الشّرط بحرف (إنْ) الّذي الأصل فيه أن يكون في الشّرط النّادر الوقوع، أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال، والظاهر أنّ المشركين لمّا أيسوا من ارتداد المسلمين، كما أنبأ بذلك قوله تعالى: {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا} [الأنعام: 71] الآية، جَعلوا يلقون على المسلمين الشُبه والشكوك في أحكام دينهم، كما أشار إليه قوله تعالى عقب هذا: {وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإنْ أطعتموهم إنّكم لمشركون} [الأنعام: 121]...
والطاعة: اسم للطّوع الّذي هو مصدر طاع يطوع، بمعنى انقاد وفَعَل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة، فالطاعة ضدّ الكره. ويقال: طاع وأطاع، وتستعمل مجازاً في قبول القول، ومنه ما جاء في الحديث:"فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم". ومنه قوله تعالى: {ولا شفيعٍ يُطاع} [غافر: 18] أي يُقبل قوله، وإلاّ فإنّ المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنّه يمتثل إليه. والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول.
و {أكثر من في الأرض} هم أكثر سكّان الأرض. والأرض: يطلق على جميع الكرة الأرضية الّتي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنّبات، وهي الدّنيا كلّها. ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضيّة معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى: {وقُلنا مِن بعده لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرض} [الإسراء: 104] يعني الأرض المقدّسة، وقولِه: {أو يُنْفَوْا من الأرض} [المائدة: 33] أي الأرض الّتي حاربوا الله فيها. والأظهر أنّ المراد في الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في القرآن. وقيل: أريد بها مكّة لأنّها الأرض المعهودة للرّسول عليه الصلاة والسلام. وأيّاً مّا كان فأكثر من في الأرض ضالّون مضلّون: أمّا الكرة الأرضية فلأنّ جمهرة سكّانها أهل عقائد ضالّة، وقوانين غير عادلة...
وقوله: {يضلوك عن سبيل الله} تمثيل لحال الدّاعي إلى الكفر والفساد مَن يَقْبَل قولَه، بحال من يُضلّ مستهديه إلى الطريق، فينعت له طريقاً غير الطّريق الموصّلة... وسبيل الله هو أدلّة الحقّ، أو هو الحقّ نفسه.
ثمّ بيّن الله سبب ضلالهم وإضلالهم: بأنّهم ما يعتقدون ويدينون إلاّ عقائد ضالّة، وأدياناً سَخيفة، ظنّوها حقّا لأنّهم لم يستفرغوا مقدرة عقولهم في ترسُّم أدلّة الحقّ فقال: {إن يتبعون إلا الظن}.
والاتّباع: مجاز في قبول الفكر لما يقال وما يخطر للفكر: من الآرَاء والأدلّة وتقلّد ذلك. فهذا أتمّ معنى الاتّباع، على أنّ الاتّباع يطلق على عمل المرء برأيه كأنّه يتبعه.
والظنّ، في اصطلاح القرآن، هو الاعتقاد المخطئ عن غير دليل، الّذي يحسبه صاحبه حقّا وصحيحاً، قال تعالى: {وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّاً إنّ الظنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً} [يونس: 36] ومنه قول النّبي صلى الله عليه وسلم « إيّاكم والظَّنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث» وليس هو الظنّ الّذي اصطلح عليه فقهاؤنا في الأمور التّشريعية، فإنَّهم أرادوا به العلم الرّاجح في النّظر، مع احتمال الخطأ احتمالاً مرجوحاً، لتعسّر اليقين في الأدلّة التّكليفيّة،...
وجملة: {إن يتبعون إلا الظن} استئناف بياني، نشأ عن قوله: {يضلوك عن سبيل الله} فبيّن سبب ضلالهم: أنّهم اتَّبعوا الشّبهة، من غير تأمّل في مفاسدها، فالمراد بالظنّ ظنّ أسلافهم، كما أشعر به ظاهر قوله: {يتبعون}...
وقد تردّدت آراء المفسّرين في محمل قوله: {وإن هم إلا يخرصون}؛ فقيل: يَخرصون يكذبون فيما ادّعوا أنّ ما اتَّبعوه يقين، وقيل: الظن ظنّهم أنّ آباءهم على الحقّ. والخرص: تقديرهم أنفسهم على الحقّ.
والوجه: أنّ محمل الجملة الأولى على ما تلقّوه من أسلافهم، كما أشعر به قوله: {يتبعون}، وأنّ محمل الجملة الثّانية على ما يستنبطونه من الزّيادات على ما ترك لهم أسلافهم وعلى شبهاتهم التي يحسبونها أدلّة مفحمة... كما أشعر به فعل: {يخرصون} من معنى التّقدير والتّأمّل.
والخَرْص: الظنّ الناشئ عن وِجدان في النّفس مستند إلى تقريب، ولا يستند إلى دليل يشترك العقلاء فيه، وهو يرادف: الحزرَ والتّخمين، ومنه خرص النّخل والكرْم، أي تقدير ما فيه من الثّمرة بحسب ما يجده النّاظر فيما تعوّدهُ. وإطلاق الخرص على ظنونهم الباطلة في غاية الرشاقة لأنّها ظنون لا دليل عليها غير ما حَسُن لظانِّيها. ومن المفسّرين وأهل اللّغة من فسّر الخرص بالكذب، وهو تفسير قاصر، نظرَ أصحابُه إلى حاصل ما يفيده السّياق في نحو هذه الآية، ونحو قوله: {قُتل الخرّاصون} [الذاريات: 10]؛ وليس السّياق لوصف أكثر من في الأرض بأنّهم كاذبون، بل لوصمهم بأنَّهم يأخذون الاعتقاد من الدّلائل الوهميّة، فالخرص ما كان غير علم، قال تعالى: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ يخرصون} [الزخرف: 20]، ولو أريد وصفهم بالكذب لكان لفظ (يكذبون) أصرح من لفظ {يخرصون}...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
إن قوة الحق ليست بكثرة من يقولون، وإنما قوته بقوة دليله فلا تطع الأكثرين لأنهم الكثرة بل أطعمهم لقوة ما عندهم من دليل، فالآية تدعو إلى اتباع العقل والمنطق واليقين وليس اتباع الكثرة لأنها كثرة، وقد ذكر الله تعالى عن كثرة ضلت وقلة اهتدت فقال تعالى مثلا لذلك: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين 71) (الصافات) وقال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين 103) (يوسف)... وليس الحق دائما مع الكثرة، بل قد تكون الكثرة على غير الحق بل إنه ثبت من التحليل للعقلية الجماعية أنها لا تدرك ما يدركه المتفكر في خاصة نفسه وذلك لأن الجماعات تغلب عليها العاطفة الجماهيرية ولا يكون مجال لتمحيصها، ولعل هذا هو ما يرمي إليه النص القرآني في وصف تفكير أكثر من في الأرض إذ يقول سبحانه (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)...
ومهما يكن فإن الآية الكريمة تدل على أمرين:
أولهما: أن الاتباع عن غير بينة لا يجوز، بل إنه يجب النظر والبحث، وأن اتباع الجماعات من غير دراسة لا يجوز، وأن الجماعات يغلب على تفكيرها الحدس والتخمين ولا يسودها التفكير والدرس العميق والمنطق السليم. ثانيهما: أن قوة الآراء ليست بكثرة معتنقيها، وإنما بقوة ما فيها من دليل...