{ وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً } أي في مكان فهو منصوب على الظرفية و { مِنْهَا } حال منه لأنه في الأصل صفة ، وجوز تعلقه بألقوا .
وقوله تعالى : { ضَيّقاً } صفة لمكانا مقيدة لزيادة شدة الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض . وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم / سئل عن قوله تعالى : { وَإَذَا أُلْقُواْ } الخ فقال : والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها تضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح .
وقرأ الكلبي : الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يحطهم الداخلون فيزدحمون ، وقرأ ابن كثير { ضَيّقاً } بسكون الياء .
{ مُقْرِنِينَ } حال من ضمير { أَلْقَوْاْ } أي إذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع ، وقيل : مقرنين مع الشياطين في السلاسل كل كافر مع شيطانه وفي أرجلهم الأصفاد ، وحكى عن الجبائي ، وقرأ أبو شيبة صاحب معاذ بن جبل { مقرنون } بالرفع ونسبها ابن خالويه إلى معاذ ، ووجهها على ما في البحر كونه بدلاً من ضمير { قَالَ أَلْقَوْاْ } بدل نكرة من معرفة { دَعَوْاْ هُنَالِكَ } أي في ذلك المكان الهائل { ثُبُوراً } أي هلاكاً كما قال الضحاك . وقتادة وهو مفعول { دَّعَوَا } أي نادوا ذلك فقالوا : يا ثبوراه على معنى أحضر فهذا وقتك ، وجعل غير واحد النداء بمعنى التمني فيتمنون الهلاك ليسلموا مما هو أشد منه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى معه الموت .
وجوز أبو البقاء نصب { ثُبُوراً } على المصدرية لدعوا على معنى دعوا دعاء ، وقيل : على المصدرية لفعل محذوف ومفعول { دَّعَوَا } مقدر أي دعوا من لا يجيبهم قائلين ثبرنا ثبوراً وكلا القولين كما ترى ، ولا اختصاص لدعاء الثبور بكفرة الإنس فإنه يكون للشيطان أيضاً . أخرج أحمد . وابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . والبزار : وابن املنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أول من يكسي حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم حتى يقف على النار : فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم » الحديث ، وفي بعض الروايات أن أول من يقول ذلك إبليس ثم يتبعه أتباعه ، وظاهره شمول الاتباع كفرة الأنس والجن ، ولا يتوهم اختصاص ذلك ببعض كفرة الإنس بناء على ما قيل : إن الآية نزلت في أبي جهل .
{ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ } أي : وقت عذابهم وهم في وسطها ، جمع في مكان بين ضيق المكان وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال ، فإذا وصلوا لذلك المكان النحس وحبسوا في أشر حبس { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } دعوا على أنفسهم بالثبور والخزي والفضيحة وعلموا أنهم ظالمون معتدون ، قد عدل فيهم الخالق حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل ، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم ولا مغنية من عذاب الله ،
ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يستقرون فيها فقال : { وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } .
أى : أن النار إن رأت هؤلاء المجرمين سمعوا لها ما يزعجهم ويفزعهم ، { وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً } أى : وإذا ما طرحوا فيها فى مكان ضيق منها ، حالة كونهم { مُّقَرَّنِين } أى : مقيدين بالأغلال بعضهم مع بعض أو مع الشياطين الذين أضلوهم .
{ دَعَوْاْ هُنَالِكَ } أى : تنادوا هنالك فى ذلك المكان بقولهم { ثُبُوراً } أى : هلاكا وخسرانا يقال فلان ثبره الله - تعالى - أى : أهلكه إهلاكا لا قيام له منه .
أى : يقولون عندما يلقون فيها ، يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ، فإنك أرحم بنا مما نحن فيه .
ووصف - سبحانه - المكان الذى يلقون فيه بالضيق ، للإشارة إلى زيادة كربهم ، فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ . هنا يسمعون من يقول لهم على سبيل الزجر والسخرية المريرة ، { لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.