إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا} (13)

{ وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً } نُصبَ على الظَّرفَّيةِ ومنها حالٌ منه لأنَّه في الأصلِ صفةٌ له { ضَيّقاً } صفةٌ لمكاناً مفيدةٌ لزيادة شدَّةٍ فإنَّ الكَرْبَ مع الضَّيقِ كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعةِ ، وهو السِّرُّ في وصف الجنَّةِ بأنَّ عرضَها السماوات الأرضُ . وعن ابن عبَّاس وابنِ عُمر رضي الله تعالى عنهم : تضيقُ جهنَّمُ عليهم كما يضيقُ الزُّجُّ{[592]} على الرُّمحِ . وسُئل النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلك فقال : « والذي نفسي بيدهِ إنَّهم ليُستكرهون في النَّارِ كما يُستكرِه الوَتِدُ في الحائطِ » . قال الكلبيُّ : الأسفلُون يرفعهم اللَّهبُ والأعْلوَن يحطُّهم الدَّاخلونَ فيزدحمُون فيها . وقُرئ ضَيْقاً بسكون الياء . { مُقْرِنِينَ } حالٌ من مفعول أُلقوا أي أُلقوا منها مكاناً ضَيِّقاً حالَ كونِهم مقرَّنين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامَع وقيل : مقرَّنين مع الشَّياطين في السَّلاسلِ ، كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ وفي أرجلهم الأصفادُ { دَعَوْاْ هُنَالِكَ } أي في ذلك المكانِ الهائلِ والحالةِ الفظيعةِ { ثُبُوراً } أي يتمنَّون هلاكاً وينادُونه يا ثبُوراه تعالَ فهذا حِينُك وأوانُك .


[592]:الزج: زج الرمح والسهم: الحديدة التي تركب في اسفل الرمح والسنان: عاليته والزج تركز به الرمح في الأرض والسنان يطعن به.