روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ} (44)

{ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره وهي النار المؤبدة ففي الكلام مضاف مقدر أو الكفر مجاز عن جزائه بل عن جميع المضار التي لا ضرر وراءها ، وإفراد الضمير باعتبار لفظ { مِنْ } وفيه إشارة إلى قلة قدرهم عند الله تعالى وحقارتهم مع ما علم من كثرة عددهم ، وجمعه في قوله تعالى : { وَمَنْ عَمِلَ صالحا فلأنفسهم يَمْهَدُونَ } باعتبار معناها ، وفيه مع رعاية الفاصلة إشارة إلى كثرة قدرهم وعظمهم عند الله تعالى ، و { يَمْهَدُونَ } من مهد فراشه وطأه أي يوطؤون لأنفسهم كما يوطىء الرجل لنفسه فراشه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه وينغص عليه مرقده من نتوء أو قضض أو بعض ما يؤذي الراقد فكأنه شبه حالة المكلف مع عمله الصالح وما يتحصل به من الثواب ويتخلص من العقاب بحالة من يمهد فراشه ويوطؤه ليستريح عليه ولا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه ، وجوز أن يكون المعنى فعلى أنفسهم يشفقون على أن ذلك من قولهم في المثل للمشفق أم فرشت فأنامت فيكون الكلام كناية إيمائية عن الشفقة والمرحمة والأول أظهر ، والظاهر أن هذه التوطئة لما بعد الموت من القبر وغيره ، وأخرج جماعة عن مجاهد أنه قال ؛ فلأنفسهم يمهدون أن يسوون المضاجع في القبر وليس بذاك . وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص وقيل : للاهتمام ، ومقابلة من { كُفِرَ } بمن عمل صالحاً لا بمن آمن إما للتنويه بشأن الإيمان بناءً على أن المراد بالعمل الصالح وإما لمزيد الاعتناء بشأن المؤمن العامل بناءً على أن المراد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبي والقالبي ويشعر بأن المراد بمن عمل صالحاً المؤمن العامل قوله تعالى :

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( 45 )

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ} (44)

{ مَنْ كَفَرَ } منهم { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } ويعاقب هو بنفسه لا تزر وازرة وزر أخرى ، { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا } من الحقوق التي للّه أو التي للعباد الواجبة والمستحبة ، { فَلِأَنْفُسِهِمْ } لا لغيرهم { يَمْهَدُونَ } أي : يهيئون ولأنفسهم يعمرون آخرتهم ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها ،

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ} (44)

ثم بين - سبحانه - الفريق الأول فقال : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أى : من كفر من الناس ، فعاقبه كفره واقعة عليه لا على غيره ، وسيتحمل وحده ما يترتب على ذلك من عذاب مهين .

قال صاحب الكشاف : قوله { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } كلمة جامعة لما لا غاية وارءه من المضار ، لأن من كان ضاره كفره ، فقد أحاطت به كل مضرة .

ثم بين - سبحانه - الفريق الثانى فقال : { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أى : ومن عمل فى دنياه عملاً صالحاً ، فإنه بسبب هذا العمل يكون قد مهد وسوى لنفسه مكاناً مريحاً يستقر فيه فى الآخرة .

والمهاد : الفراش . ومنه مهاد الصبى أى فراشه . ويقال مهدت الفراش مهدا ، أى : بسطته ووطأته . ومهدت الأمور . أى : سويتها وأصلحتها .

فالجملة الكريمة تصوير بديع للثمار الطيبة التى تترتب على العمل الصالح فى الدنيا ، حتى لكأن من يعمل هذا العمل ، يعد لنفسه فى الآخرة مكاناً مبعداً ، ومضجعاً هنيئا ، ينزل فيه وهو فى أعلى درجات الراحة والنعيم :

قال ابن جرير : قوله - تعالى - { فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أى : فلأنفسهم يستعدون ، ويسوون المضجع ، ليسلموا من عقاب ربهم ، وينجوا من عذابه ، كما قال الشاعر :

أمهد لنفسك ، حان السقْم والتلف . . . ولا تضيعن نفسا ما لها خلف